النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

قراءة المدن وظاهرة التسييس

رابط مختصر
العدد 10851 الإثنين 24 ديسمبر 2018 الموافق 17 ربيع الآخر 1440

قراءة المدن علم حديث، والمدن ظاهرة حضارية، وقراءتها ولاشك مهمة وضرورية، ولكنها كقراءة أفسدها التسييس وغلبة الايديولوجي على المعرفي، وضاعت البوصلة بين الايديولوجيا والابستمولوجيا، وظغت الايديولوجيا على القراءة وصارت شبه ثورجية هذه القراءات بل صارت قراءات شعبوية عاطفية وشعاراتية.
وظاهرة التسييس بحدّ ذاتها ظاهرة سلبية خطيرة، أفقدت وأفرغت القراءات من روحها العلمية والنقدية وغدت القراءات تمجيدية.
والتحيّز أو الانحياز «للفريج» وهي ظاهرة قديمة ريفية وقروية انتقلت دون وعي للقراءات الحديثة أو الحداثية الطابع للمدن، فصار الانحياز هذه المرة طائفياً ومناطقياً مغلفاً وملفوفاً بتفكير او ذهنية ريفية تحرك مشاعر الانحياز، فتصدر أحكاماً في قراءاتها انحيازية بشكل فاقع بعيداً عن الرؤية النقدية المطلوبة في مثل هذه القراءات، حتى لا تتحول المدن إلى أيقوناتٍ مقدسةٍ لا تخضع لمنطق النقد والمساءلة والمراجعة في تاريخها وفي ظواهرها التي أفرزتها في هذه الحقبة أو تلك او في هذا المفصل أو ذاك من مفاصل مسيرتها وتقلبات ظروفها المختلفة السياسية منها والاقتصادية والمجتمعية.
ولم يلاحظ او بالأدق لم يقف طويلاً وبالقدر المستحق من الباحث أولئك الذين تصدروا القراءة المدينة العربية وخصوصاً عواصمها لظاهرةٍ جدُّ خطيرة ألقت بظلالها الكثيفة على المدينة العربية وهي «ترييف المدينة» من الريف /‏ القرية.
ولعل المفكر الأستاذ الدكتور محمد جابر الأنصاري، والراحل المفكر جورج طرابيشي من المفكرين القلائل إن لم نقل النادرين الذين أمسكوا بهذه الظاهرة قراءةً وتحليلاً وتفكيكاً علمياً ومعرفياً، كشف الغطاء عن الظاهرة الأخطر في تاريخ مدينتنا العربية المعاصرة.
ولعل بيروت العاصمة اللبنانية هي النموذج الأبرز في الظاهرة الأخطر «ترييف المدينة» حين وضع حزب الله يده وفرض سيطرته وسطوته على مفاصل العاصمة وحكمها او كاد سياسياً فتحولت شيئاً فشيئاً إلى المدينة الريفية في تقاليدها المفروضة قسراً على بيروت.
بيروت العاصمة فقدت مكانها كمركز استنارة حضارية عربية لتغدو روحها الحالية ريفية التفكير والذهنية والثقافة والسياسة، وإن لم تفقد طابعها وظاهرتها الترفيهية المعروفة، ولعل هذه الظاهرة معطوفةٌ على هذه الروح الريفية والذهنية الطائفية تساعد على ترسيخ ثقافة الطائفة وسطوة الطائفة وسلطة الطائفة.
وكأي ظاهرةٍ لابد وأن تنتج مثقفيها ومنظريها وسوسيولوجييها الذين يعززونها ويرسخونها ويحفرون لها في ذهنية الوعي العام الجمعي على نحو يفلسف الظاهرة ويبررها ليمررها ويشرعنها او يرخص لها ويمنحها صك «حق ترييف المدينة».
وهنا سيلعب هذا المثقف السوسيولوجي المؤدلج دور «الجرافة» التي تأتي بعد انتهاء دور الشعبوية والغوغائية الصارخة الشعاراتية الزاعقة ليقوم بتعبيد وتمهيد وتهيئة الذهنية العامة «لشرعنة» الترييف على نحوٍ طائفيٍ وبلغةٍ مخاتلةٍ تمكر بتاريخ المدينة حسب تعبير هيغل في مكر التاريخ، وهو مكر بمن يمكرون بتواريخهم لأهداف أخرى.
نحن إذن أمام ظاهرة خطيرة كما أشرنا تبدو «ثقافية» الطابع واللافتة، ولكنها مؤدلجة الهدف بروح مطأفنةٍ قديمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها