النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10910 الخميس 21 فبراير 2019 الموافق 16 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:35AM
  • العشاء
    7:05AM

كتاب الايام

انتهاك السيادة والدساتير الجاهزة.

زمن الانكشارية والمليشيات يتمدد...

رابط مختصر
العدد 10851 الإثنين 24 ديسمبر 2018 الموافق 17 ربيع الآخر 1440

دول تجتمع في عواصم دول أخرى لمناقشة مسودة دستور دولة أخرى، تتعرض لانتهاك سيادتها بشكل علني، لتحدد لها طبيعة النظام والثوابت والقيم والأهداف وكافة تفاصيل مستقبل البلد السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتوجهاته الحالية والمستقبلية.
دول لا علاقة لها بسوريا، أصبحت تقتسم الأرض السورية، وترسم خطوطًا للطول وأخرى للعرض، وتحدد مناطق لنفوذها وجيوشها وسيطرتها، تدخل وتخرج متى تشاء، وتقيم الثكنات وتدرب المليشيات، وتمول الجماعات، وتعمل على إسقاط هذه الدولة التي كانت مستقرة، لتتحول إلى حالة الفوضى والتفكك الطائفي والاثني، كما تم فعله بالعراق الذي تركه الأمريكان غارقًا في الفوضى والطائفية والارهاب، ولتجتمع الفوضى مع الفوضى والطائفية مع الطائفية لتكتمل قائمة «الدولة الفاشلة».
إنه زمن جديد عجيب غريب، يشهد فيه العالم تحولاً خطيرًا، وعودة مدهشة إلى قانون الغاب، فأصبح الخطف (الرسمي) أمرًا قانونًا وشرعيًا. وأصبح قلب الأنظمة والسيطرة على مصائر الأمم والشعوب عملاً إنسانيًا، واحتلال أراضي الدول وتقسيمها عملاً مشروعًا.
لقد أسست الدول الكبرى المعتدية على العراق في العام 2003م لمنطق جديد أنهى ما بقي من النظام الدولي القديم الذي اعتمد على القانون الدولي كمرجعية أساسية لسلوك الدول الكبرى والصغرى على حدٍ السواء، هذا المنطق ليس الجديد تكون الغلبة فيه للقوي، ويحل معه منطق القوة بديلاً عن قوة المنطق والقوة العسكرية والهمجية السياسية بدلاً عن القانون الدولي.
صحيح أن الأمريكان أو غيرهم من القوى الخارجية، لا يمكن أن يتعاملوا معنا او مع غيرنا بمنطق الحب أو الكراهية، أو من منطلق الاهتمام بمصالحنا ورعايتها، أو بما ينفعنا أو بما يضرنا.. وإنهم يتعاملون معنا او مع غيرنا بمنطق المصلحة، أي مصلحتهم، ولذلك من السذاجة أن نفهم الموقف الأمريكي أو الروسي أو التركي أو حتى الإيراني مما يجري في العراق وسوريا على سبيل المثال خارج هذا المنطق. مناطق عديدة من العالم تعتبرها القوى الكبرى وحتى المتوسطة مكانًا لاختبار نظرياتهم لتطبيقات السيطرة عبر هذه اللعبة، بعد أن أصبحت السيطرة المباشرة والعسكرية مكلفة: لقد جربوا اللعبة في العراق، وكانت التكلفة عالية من المال والعتاد والأرواح، ومكنوا الأحزاب والمليشيات الطائفية من السلطة فتسببت في كوارث سياسية وإنسانية غير مسبوقة. وبدا عجيبًا التحالف غير المقدس بين الأمريكان - رعاة الديمقراطية - وبين الأحزاب الطائفية المعادية للقيم الديمقراطية ولبناء وتعزيز الدولة المدنية، برعاية إيرانية مباشرة بأي مفهوم كانت!!
ولم يكن غريبًا أن يشيد أوباما تلك الإشادة الفجة بما أسماه الديمقراطية العراقية التي أعادت استجلاب الحرب الطائفية من تحت رماد البؤس الطائفي، كما ان نفس المنطق قاد أوباما إلى الإشادة بحكومة أفغانستان المتهمة بالفساد والعجز، بل والتي يرفضها القسم الأكبر من الشعب الأفغاني، ولا عجب أن يفضي نفس المنطق إلى دعم المليشيات الإرهابية والتقسيمية في سوريا، وأن يتحول قسم من الأكراد إلى رهينة في خدمة أجندات خارجية، وأن يطلق عليهم - بالرغم من العمالة والتبعية - أسماء من نوع قوات سوريا الديمقراطية.
إن مبدأ عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول الذي أقرته المواثيق الدولية وأجمعت عليه الدول الكبرى والصغرى لم يعد مهمًا عند القوى العظمى. وإذا كان التدخل في شؤون الدول محرماً دولياً بكافة أشكاله، بل وعدم جواز التدخل في شؤون الدول حتى في إطار القانون الدولي الإنساني، فإن ما يحدث في الواقع هو الانتهاك المتواصل من القوى الكبرى والوسطى حتى لكأن التدخل والانتهاك والعدوان بات هو القاعدة.
في العهود الماضية كان الانتماء للوطن عقيدة والدفاع عنه واجبًا مقدسًا تتغنى به الشعوب ودساتيرها.. أما في النظام الدولي الجديد فقد صار الانحياز ضد الأوطان اعتدالاً وفضيلة.. والخيانة له ديمقراطية، والوطنية الوحيدة التي يسمح بها النظام الجديد هي تلك النعرات البدائية الاقتتالية التي تشطر الوطن إلى أحجار لا متناهية. كلمة السيادة التي تغنت بها دساتير العالم لم يعد لها أثر كبير في منطق السياسة الدولية.. وأصبح الساسة والدبلوماسيون أكثر وضوحًا في الكلام، وأقل (دبلوماسية) في القول.. انسحبت اللغة المهذبة وحلت محلها لغة الترهيب (لغة حق الاختطاف وحق الاقتلاع وحق المسح وحق إعلان الحرب الوقائية وحق التقسيم والتفتيت، وحق عمل الدساتير الجاهزة للدول والشعوب).. قالوا لابد من حرية مرور رأس المال.. وقالوا لابد من حرية مرور أحذيتنا فوق رؤوسكم وصدوركم.. وحدها (القوة الغاشمة والحرب المشرعة) يحق لها أن تصدر الأوامر وتحدد (الصالح والطالح).. قوانين البلدان ومؤسساتها لم تعد مهمة.. قرارات مجلس الأمن التي تمليها دولتان هي القانون وهي الشرعية. يكفي أن تتحرك في الداخل عصابة مسيرة بالروموت كونترول حتى تتحرك الجيوش والأساطيل والخبراء الأمميون. ولأول مرة في التاريخ أصبحنا نستمع إلى مصطلحات من نوع (حق التدخل والحرب الوقائية وتصدير الدساتير لدول قائمة يفترض أن تكون ذات سيادة). وفي هذا المناخ المريض تم تدمير الدولة العراقية وإسقاط نظامها الشرعي بالقوة، وإدخال هذا البلد في دوامة الفوضى والعمل على تدمير الدولة السورية ونظامها السياسي والاجتماعي، والدولة الليبية...
في هذا المناخ الكئيب فقدت العلاقات الدولية مناخها الحضاري والإنساني المتحضر.. وصار عمل الجواسيس والمليشيات المأجورة والانكشارية والمخابرات عملاً محمودًا يستجوب الفخر والثناء، ويتم الإعلان عنه على رؤوس الملأ.. فمنذ آلاف السنين كانت هناك أنظمة تسقط وعيون ترصد، وجواسيس متسللون وعملاء خونة.. ولكن لم يكن أي نظام في العالم يعترف بوجود هذه الكائنات الكريهة، وكانت أرخص تهمة يمكن أن تقتل إنسانًا هي كونه جاسوسًا أو عميلاً مأجورًا أو خائنًا لوطنه. وعندما كانوا يتحدثون عن هؤلاء، كانوا يتحدثون عن مردة وشياطين.. أما اليوم، في زمن المليشيات الانكشارية، فإن الحديث عن هؤلاء قد أصبح محمودًا وجميلاً.
همس
صوتك القادم
من ثنايا الضباب والذكرى،
 بين يديك وميضا،
وبين شفتيك ملاذا،
فهل تقبلين اليوم اعتذاري؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها