النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

«قام الدب ليرقص»

رابط مختصر
العدد 10849 السبت 22 ديسمبر 2018 الموافق 15 ربيع الآخر 1440

«قام الدب ليرقص.. قتَّل 7 8 تنفس». ربما يختصر هذا المثل اللبناني الشعبي الذي تحول إلى أغنية حالنا مع الثورات العربية والربيع العربي.
ربما يحكي المثل قصة دُبٍّ ضخم قام أحد ما بتحفزيه وتحريضه، أو أنه شعر بالحماس من تلقاء نفسه، ونزل إلى ساحة الرقص ليعبر عما بداخله، لكنه قتل سبعة أو ثمانية أشخاص في محيطه. تماما كما فعنا نحن الشعوب العربية عندما نزلنا الشوارع والساحات والميادين حالمين بالتغيير وحرية التعبير، ولكننا جلبنا الفوضى والدمار لأنفسنا أولا ولمن حولنا ثانيا.
ربما هناك أمثال مشابهة بلغات أخرى، عندما يقولون: «فيل في دكان حلاقة»، ولنتخيل حجم الفوضى التي ربما تعم المكان كلما تحرك الفيل أو حرك خرطومه هنا أو هناك.
اعتقد أن أحد أسباب ما يسمى زورا وبهتانا الربيع العربي، هي أن وعينا تشكل على أهمية الثورات في دحر الاستعمار وإسقاط الأنظمة الرجعية وبناء مجتمع العدالة وتعميم مبدأ «حكم الشعب للشعب»، وقد ترسخ ذلك مع ثورة يوليو في مصر وزعيمها جمال عبدالناصر، وثورة الفاتح من أيلول في ليبيا بقيادة القذافي الناطق باسم الشعوب العربية وقاهر الأمريكان، وثورة الثامن من آذار في سوريا التي أدت إلى استيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة هناك وقامت بعمليات تأميم واسعة، وغيرها.
ولكن، في حقيقية الأمر، الثورة ليست إلا حركة غوغائية فوضوية تقوم بها المجتمعات اليائسة البائسة التي لم يعد لديها شيء لتخسره، فيلتم الجياع والحالمون مع قطاع الطرق والمجرمين في حركة تبدأ بهتافات ولافتات بسيطة عادة، ولا تنتهي بصدامات وفوضى وأعمال نهب وقتل وفوضى لا يمكن السيطرة عليها.
الثورة الإيرانية مثال آخر على ما أشرت إليه سابقا، حيث اعتقد الجميع -ولا زالت شرائح عريضة من الشعب الإيراني تعتقد- أنها حركة خير وتحرر وتخلص من الفاسدين ولم شمل المسلمين، لكن النتيجة التي نراها ويراها العالم أجمع هي أن الثورة الإيرانية قمعت الشعب الإيراني أولا، وعزلته عن العالم تقريبا، وغسل ملالي الثورة أدمغة الناس هناك بالكلام عن القدس والشيطان الأكبر وغيرها، وباتت إيران دولة منبوذة عالميا، تصدر الأفكار الظلامية والإرهاب إلى محيطها وتثير القلاقل والفتن.
هل يجب أن ندمر ما لدينا قبل أن نبني شيئا أفضل؟ مع الأسف الشديد نلاحظ أن جميع الثورات لديها خطة تلقائية للهدم، فالثورة الفرنسية مثلا استساغت قتل ليس الأمراء والأميرات هناك فقط، وإنما كل من يمت لهم بصلة، بما في ذلك الشعراء والأدباء والفنانين والفلاسفة العظماء، وربما لو تمكن الثوار من هدم قصر فرساي وغيره من القصور الفرنسية لفعلوا، وحرموا أنفسهم وأبناءهم والعالم أجمع من هذا الإرث الحضاري العظيم.
ثم إن من يقرأ التاريخ يعرف تماما أن فرنسا ابتليت بعد تلك الثورة بأنظمة ديكتاتورية أشد بطشا من النظام الملكي المخلوع، وسالت دماء كثيرة لسنوات وسنوات طويلة قبل أن تستقر الأمور مجددا.
أيضا خدعتنا الثورة البلشفية التي قام بها لينين بناء على أفكار كارل ماركس وطبَّقت الشيوعية ومعسكرات الاعتقال، ولم ندرك ذلك تماما إلا بعد أن رأينا الروس يسقطون تماثيل لينين وستالين ويسحلونها في الشوارع، وقبل ذلك كانوا قد سحلوا الديكتاتور تشاوشيسكو في رومانيا، وقد كنت في ألمانيا عندما هدم الألمان جدار برلين وجرَّب سكان العاصمة الشرقية الرفاهية بعيدا عن ترهات الشيوعية الفارغة.
إن أقسى نتائج الثورات ليس قتل الإنسان أو تهديم الممتلكات، وإنما تدمير الروابط الاجتماعية والثقافية والفكرية الجامعة للمجتمع، فتضيع البوصلة، وتتفسخ العلاقات الاجتماعية، وتظهر طبقة جديدة من أمراء الحرب الذي جمعوا ثروات هائلة بفعل الثورة، وتتلاشى الطبقة الوسطى التي تمثل الحامل الأخلاقي الأساسي للمجتمع، وربما تمر عقودا من الزمن وأجيالا متعاقبة قبل أن تعود الأمور جيدة ومستقرة كما كانت قبل الثورة.
ما هو الحل إذا؟ الحل هو الإصلاح، الإصلاح الذي يراعي خصوصية كل مجتمع، وسيرورته التاريخية، ومحيطه الجغرافي والإقليمي، وثقافته وعاداته وتقاليده. الإصلاح هو أن يبدأ كل فرد فينا بإصلاح ذاته من الداخل، ثم ينتقل لإصلاح أسرته ومحيطه، فالمجتمع هو مجموعة من الأفراد، وكلما زاد عدد الصالحين فيهم كلما ساد الأمن والسلام وتحقق الاستقرار وارتفعت الإنتاجية ومعدلات الرفاهية والسعادة.
إن مجالات التطوير الشخصي واسعة جدا، وبإمكان أي شخص أن يبذل جهدا أكبر في اكتساب المزيد من المعلومات واتقان المزيد من المهارات، وتطوير وضعه الفكري والثقافي والمهني والمادي والوظيفي، طالما أن حرية التفكير والاعتقاد والتعلم والتملك والتنقل متاحة ومصانة، فيما الذي يقف في طريق انطلاقتنا؟
لا تلعن الظلام بل أشعل شمعة، لا تفكر بالهجرة لأنك يائس من التغيير، بل ابدأ التغيير من داخلك، فكر فيما لديك من مكتسبات واستكشف نقاط قوتك وابنِ عليها، وتعرف أيضا إلى نقاط ضعفك واعمل على تلافيها، لا تزرع بمحيط عملك وبين أصدقائك وفي أولادك الإحباط واليأس خلف جدران مغلقة، بل حفزهم وعزِّز فيهم التكفير الإيجابي، أخبرهم حقيقة أن ما يهدم في ساعة قد يحتاج بناؤه إلى سنوات.
نريد رؤية أولادنا وشبابنا في ميادين العمل والإنتاج وليس في ميادين العنف والثورات، نريد رؤيتهم أطباء وممرضين في المستشفيات وليس مصابين في أحداث الصدام والعنف، نريدهم مثقفين متزنين محبين لوطنهم محصَّنين ضد الأفكار الهدامة التي تحرضهم على الثوة وتصورها لهم على أنها بناء للغد المنشود، فيما هي ليست إلا فوضى وعنفا ودمارا وخرابا للإنسان والأوطان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها