النسخة الورقية
العدد 11095 الأحد 25 أغسطس 2019 الموافق 24 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

طبائع الرأسمالية «النموذج الفرنسي»

رابط مختصر
العدد 10849 السبت 22 ديسمبر 2018 الموافق 15 ربيع الآخر 1440

باريس قلب العالم النابض الأكثر شهرة وحضوراً. الفرنسيون شعب متمرد بطبعه. وما يحدث في باريس يترك آثاره في المحيط الغربي والعالمي، فالثورة الفرنسية لم تكن فرنسية فحسب، فبعد أن ثارت باريس في العام 1789 ثار الغرب بعدها، في ما سمى بربيع الشعوب في العام 1848. وثورة الطلبة في الستينات من القرن الماضي (1968)، بدأت في فرنسا، ثم اجتاحت الغرب. عندما تثور باريس تثور أوروبا، وعندما تهدأ باريس يهدأ الغرب. والملفت أن أسباب ما يحدث في فرنسا، هي نفسها الأسباب التي تحرك الغرب من بعدها، فالأحوال متشابهة في هذه البلدان، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً والاختلاف بينها نسبي.
ما حدث في باريس مؤخراً يشير الى وجود خلل كبير في فرنسا، وهو خلل موجود في كل الغرب الآن مع فروقات بسيطة، كما أن هذا الخلل قائم في العالم، وبشكل أكثر مأساوية في العالم النامي، لذا يهتم العالم لما يحدث في باريس، وينشط المحللون والمفكرون في الغرب والشرق لتفسير ما يحدث.
الحكومة الفرنسية في البداية حاولت تحجيم ما حدث، واعتبرت المشكلة صغيرة وطارئه، فتعاملت معها بهدوء، حتى أن الرئيس الفرنسي عمانويل ماكرون أوضح أنه لن يتراجع عن قرار ضرائب الوقود التي سببت المشكلة (القشة التي قصمت ظهر البعير). وكانت المسألة حسب ما تناولته وكالات الأنباء في العالم تتلخص في الضرائب الطفيفة على الوقود، لا أقل ولا أكثر. ولكن يبدو أن أوجاع الفرنسيين لم تكن في أفق نظر السلطة الحاكمة: (سنلاحظ هنا أن أمور مشابهة تحدث في الغرب تنم عن سوء فهم النخب الحاكمة لشعوبها أيضا)، لكن عندما وصلت الانتفاضة الفرنسية الى ذروتها، تنازل ماكرون قليلاً (وكان يعتقد أنها سحابة صيف)، فعلق قرار الضرائب ستة شهور، ربما على أمل أن تهدأ الاحتجاجات. لكن المتظاهرين لم يقتنعوا بهذا الرد، (فوراء الأكمة ما وراءها) والجرح كما لم يبدو في البداية أعمق مما ظنته الحكومة الفرنسية.
وقد نتسائل لم تستمر الاحتجاجات التي حتى كتابة هذا المقال تنهي اسبوعها الرابع، وتتحول أجمل شوارع باريس والعالم: (الشانزليزيه) الى ما يشبه ساحة حرب طاحنة، ويتلوث هواءها بدخان الحرائق ومسيلات الدموع؟ وهناك مئات من الجرحى، ثم يصل عدد المتظاهرين في الأسبوع الأخير الى 136 ألفاً في المدن الفرنسية الغاضبة.
المتظاهرون حطموا واجهات المحلات التجارية وأحرقوا السيارات، والمباني وتوجهوا الى قصر الأليزيه قصر السلطة ومبنى البرلمان. المطالب تنوعت وتضاعفت، ولم تعد ضرائب الوقود إلا سبب واحد من عدة أسباب. مع التداعيات الأخيرة، قدم المتظاهرون سلة من المطالب، منها زيادة الحد الأدنى من الأجور، وزيادة معاشات التقاعد، وإعادة ضرائب الثروة التي كان قرار إلغائها (من وجهة نظر المتظاهرين) يأتي في مصلحة الأغنياء، وطالب بعضهم بتنحي الرئيس ماكرون عن الرئاسة.
المحللون كعادتهم راحوا ينقبون عن ما وراء هذا الانفجار الشعبي وتفسير الأحداث ومسبباتها الرئيسية. هناك أسباب أخرى إذن غير ضرائب الوقود، ولو اقتصرت المسألة على تلك الضرائب لانتهت المشكلة. تداعت بعد ذلك وبرزت الحقائق الخفية، وهي في مجملها تتصل بالنظام الاجتماعي والاقتصادي في فرنسا /‏ والغرب، فالرأسمالية في عصرالعولمة تبدو أكثر توحشاً، وهي بتماديها في النمو والتضخم أفسدت الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي نالتها الطبقات الشعبية من ذوي الدخل المحدود والطبقة الوسطى في فرنسا /‏ والغرب، منها راتب التعطل وحد أدنى من الأجور (لا تحلم به شعوب العالم النامي) وبدائل السكن، وغيرها من الضمانات التي تساعد ذوي الدخل المحدود على العيش بسلام، كما تمنع هذه الإصلاحات تآكل الطبقات الوسطى.
الوضع مشابه في كل بلدان الغرب، وليس فرنسا إلا نموذجاً واضحاً، يظهر فيه التضخم الرأسمالي الذي ابتلع هذه الامتيازات. غلاء الأسعار في الغرب جنوني (خاصة فرنسا، يقول الفرنسيون في هذه الانتفاضة: ليس لدينا قدرة شرائية) وعندما تضعف القدرة الشرائية لا يستطيع المواطن توفير حوائجه المعيشية. الرأسمالية في قلاعها الحصينة، في أوروبا وأمريكا ترفع أسعار السلع والمنتجات، باستمرار ودون توقف، فيما الرواتب شبه ثابته. الرأسمالية لا تتخلى عن شراستها التي تتغول في عصر العولمة والشركات العابرة للقارات. (تتكرر هذه الثيمة في البلدان الغربية الآخرى، فأحزاب اليمين واليسار المتطرف في معظم المدن الغربية، بمعية الطبقات الشعبية يعتقدون أن النخب السياسية في السلطة ابتعدت عن الناس واقتربت من النخب الاقتصادية التي تسيطر على الاقتصاد).
ما يحدث في فرنسا يحدث في الغرب الآن أيضا فهناك عدم رضى، بل استياء عام من النخب السياسية في السلطة. عندما سقطت المنظومة الاشتراكية استراح الغرب معقل الرأسمالية الرئيسي، في ذلك قال بعض الدارسين إن سقوط الاشتراكية لا يعني نجاح الرأسمالية (فكلاهما أمران أحلاهما مر)، وإن كانت الرأسمالية أفضل الشرين، فهذا لا يمنع الاحتجاج عليها، ومراقبتها وتقليم أظافرها. الجشع المادي جوهري في الرأسمالية، فهو مرض لا تستطيع الفكاك منه: (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها