النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10971 الثلاثاء 23 أبريل 2019 الموافق 18 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

نادية مراد أيقونة سلام

رابط مختصر
العدد 10847 الخميس 20 ديسمبر 2018 الموافق 13 ربيع الآخر 1440

 ككلّ عام تظلّ عقول محبّي السلام وقلوبهم منتظرة لحظة رمزية سنويّة، لحظة الإعلان عن الفائز بجائزة السّلام. لكن هذه السّنة، وتقريبًا مع شهر أكتوبر اتّضحت معالم الفائز وهويّته بعد أن تقدّم ملفّ الناشطة الإيزيدية «نادية مراد» أشواطًا خلال عمليّة فرز ملفات المترشحين، ولم يبقَ سوى الإعلان الرسميّ للتأكد إن كانت الجائزة مناصفة أو لها فقط. ويمكن إرجاع ذلك لسببين: الأول موضوع جائزة السلام لهذا العام (إنهاء استخدام العنف الجنسي كسلاحٍ في الحرب والصراع المسلح)، والثاني الاهتمام العالمي الحقوقيّ والإعلامي بقضية الإيزيديات المختطفات ثم المحرّرات واللاتي صدعن بحكايات المآسي التي مررن بها بين أيدي ما يُسمّى بمقاتلي وأمراء تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا والعراق.
هكذا وبعد انتظار، تقاسم الجائزةَ الأشهرَ والأقدمَ عالميًّا كُلٌّ من «نادية مراد» الإيزيدية ذات الأصول العراقية والتي لم تتردّد في سرد الانتهاكات الجنسية وغير الآدمية التي وقعت عليها أو كانت شاهدة عيان على ارتكابها ضدّ غيرها من الإيزيديات، والناشط الكونغولي الطبيب «دينيس موكويغي» الذي قضى أجزاء كبيرة من حياته في علاج آلاف المرضى من ضحايا العنف الجنسي والدفاع عنهم في زمن الحرب ومساعدتهم في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وجائزة نوبل ليست مجرد ميدالية ذهبية، فهي أيضا جائزة مالية قدرها 1.6 مليون دولار.. من ثروة العالم السويدي ألفريد نوبل «مخترع الديناميت» الذي أعلن في وصيّته عن جائزة لمن يقدّم عملاً مفيدًا للبشرية. لكن طويلاً ما رافق نوبل للسلام، لغط وتشكيك نظرًا إلى أنّ شروطها أقلّ وضوحًا من المجالات الأخرى للجائزة، فضلاً عن ارتباط الجائزة في مناسبات كثيرة بأحداث أو شخصيّات سياسية ليست محلّ اتفاق عالميًا.
 أمّا في السنوات الأخيرة، فيبدو الأمر مُنصفًا إلى حدّ بعيد، بل قد تكون الأصوات المشكّكة في استحقاق نادية مراد أو دينيس موكويغي للجائزة هذا العام، خافتة تمامًا إنْ لم نقل خرساء. وهذا لَعمري يؤكّد عدالة قضية المرأة المستغلّة جنسيًّا في الحرب والصراعات التي هزَّت العالم قديمًا وحديثًا، فليس سبيُ النّساء أو بيعُهنّ بالأمر الجديد، ولكنّ العالم ظنّ أنّه حقق من التقدّم والتطور المادي والعمراني والفكري والحقوقي والتنمويّ ما يكفي البشريّةَ جمعاء لكي تتخلّى عن بعض الممارسات القديمة الوحشيّة إزاء الفئات الهشّة من الأطفال والنّساء وكبار السنّ في شتّى الظروف. لكنّ الصّراعات المسلّحة الأخيرة كشفت اللِّثام عن الوجه القبيح لزيف هذه الحضارة وهذا التقدّم والتحضّر الإنساني المُجتزَأ.
وعودًا على عدالة قضية «نادية مراد» أيقونة نضال المرأة ضد القوى الظلامية التي تهدف الى استعبادها والنيل من كرامتها، فإنّها تظلّ فخرًا لكلّ امرأة عراقية آلمها الخطف ومرارة التهجير وفقدان الأهل ويظلّ دورها المهم في تعريف العالم بمأساة المرأة العراقية عمومًا والنساء الإيزيديات بشكلٍ خاص في المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي دورًا رائدًا.
«لا أريد تعاطفًا أكثر أريد عملاً أكثر لوقف مأساة الأقلية الإيزيدية والنساء الإيزيات» تلك كانت صرخة نادية الهادئة، جملة واحدة كانت كافية في خطاب نادية أمام الحاضرين ومن تابع النقل المباشر في حفل التكريم، ستظلّ نبرتها الحزينة الصادقة تحفر عميقًا في الحاضرين، تلك الصرخة ستظلّ منقوشة على جبين الإنسانية المتفاخرة بتقدّمها المادي في العديد من مناطق العالم وهي في الحضيض في مناطق أخرى.
إنّ الإنسانية اليوم مطالبة أكثر من أيّ وقت بالاهتمام بالتنمية الشاملة للعديد من مناطق العالم، ويكفي دَيْنًا في رقبة هذه الأمم المتفاخرة بتقدّمها أنها نهبت تلك الدول التي بقيت في الحضيض من التنمية والتقدم. أليس من الواجب، مع هذا النهج الحقوقي المتصاعد عالميًا، أن تنال هذه المناطق المهمّشة من العالم حظّها من التنمية والتعليم الحديث لعلّها تتجاوز وإلى الأبد ما ترسب في مخيالها الجمعي عن المرأة أو الأطفال والفئات الهشّة عمومًا؟!
 أمّا نحن، والذين من رحمنا ورحم ثقافتنا نشأت «داعش» السبب الرئيس في معاناة نادية وبقية الإيزيديين، حتى تفاقمت جراءها ظاهرة الإسلاموفوبيا، عن نحن أتحدّث... أَلَم يحن الوقت لعلمائنا الأفاضل ومجتهدينا الموقرين وحكمائنا ومُجدّدينا أن يحزموا مواقفهم إزاء هذه السلوكات (السبي، الاستعباد، الاسترقاق، جهاد النكاح، زواج المتعة...) وغيرها من أشكال الاستغلال الجنسي للمرأة والأطفال... هذه الممارسات التي تجد لها في تراثنا الفقهي مرتعًا ومرجعًا يستند إليه المقلدون بل ويقدمونها على مقاصد الشريعة، هذه المقاصد التي حان الوقت أن يعود إليها علماؤنا الأفاضل ليحركوا باب الاجتهاد في مسائل نحن في أمسّ الحاجة إلى الحسم فيها قبل أنّ يُحْسَمَ فينًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها