النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10880 الثلاثاء 22 يناير 2019 الموافق 16 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:05AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:13PM
  • العشاء
    6:43PM

كتاب الايام

مخلوف.. حكاية تخطيط مدينة عصرية تسابق الكون

رابط مختصر
العدد 10843 الأحد 16 ديسمبر 2018 الموافق 9 ربيع الآخر 1440

 في مئوية الراحل الكبير سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها، لا بد من التوقف مليًّا عند مآثره وأفضاله على الإمارات وشعبها العربي الأبي، والتبصّر أيضًا في مواقفه الوطنية والإنسانية إزاء قضايا أمتيه العربية والإسلامية وإسهامات سموه المشهودة في المحافل الدولية.
غير أن حديثنا هنا سيقتصر على ما كان لسموه من رؤى حصيفة وسجايا فطرية ملهمة صبت في قالب توفير الحياة الكريمة لبني وطنه من جهة، وصبت في قالب تطوير مدينة أبوظبي التي تحولت خلال فترة وجيزة من مكان صحراوي قاحل إلى مدينة عصرية تتلألأ بكل مقومات الحياة العصرية، بل راحت فوق ذلك تسابق مدن الكون في عمرانها وبنيتها التحتية ومرافقها الخدمية ومتنزهاتها وخضرتها وجسورها وشوارعها الفسيحة المستقيمة وميادينها، مع المحافظة على طابعها العربي الخاص.

 

 

وإذا كان الراحل الكبير هو من وضع التصورات الأولية للشكل الذي أراده لعاصمة بلاده، فإن من حول تلك التصورات والإرشادات من مجرد خطوط عريضة وأشكال هندسية صماء إلى واقع متحرك وحياة مفعمة بالأمل ومرتكزات للمزيد من الإضافات والتحسينات على مر الأيام والسنين هو مهندس معماري مصري نال ثقة الشيخ زايد وارتبط بسموه بعلاقة عمل وود، فلم تنسه الإمارات وتمّ تكريمه من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بمنحه وسام أبوظبي في عام 2010؛ تقديرًا لخدماته المتميزة للإمارة.
هذا المهندس الذي قد لا يعرفه الكثيرون من أبناء الجيل الجديد في الإمارات والخليج، هو الدكتور «عبدالرحمن حسنين مخلوف» ابن مفتي الديار المصرية الأسبق الشيخ حسنين مخلوف (توفي عام 1990)، وحفيد الشيخ محمد حسنين مخلوف عضو هيئة كبار العلماء المصرية منذ تأسيسها عام 1911 وأحد كبار مشايخة الأزهر. فما هي قصته يا ترى؟ وكيف أتى إلى الإمارات؟ وما هي طبيعة إسهاماته في تخطيط العاصمة الاتحادية للدولة والمدن المجاورة لها حتى غدت بالصورة التي هي عليها اليوم؟
طبقًا لما رواه بنفسه لصحيفة الاتحاد (27/‏2/‏2010)، وما ورد في مذكراته التي أصدرها في كتاب تحت عنوان «رحلة العمر مع العمران.. نصف قرن مع تخطيط المدن» (منشورات المكتب العربي للتخطيط والعمارة /‏ أبوظبي والعين /‏ 2016)، وما قاله في حوار مع صحيفة الإمارات اليوم (29/‏1/‏2014)، فإنه ولد في القاهرة في عام 1924 ابنًا لعائلة متديّنة تمتد جذورها إلى قرية بني عدي التابعة لمركز منفلوط بمحافظة أسيوط، وترعرع في بيت مكتنز بأمهات الكتب، ما ساعده على الاطلاع مبكرًا على أعمال وكتابات الرواد من أمثال الزيات وأحمد أمين والعقاد وطه حسين وآخرين.

 


أراده والده العالم الفقيه الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي المالكي أن يكون مثله ومثل جده، أي من رجالات الأزهر الشريف المرموقين، لكن ابن القرية الصعيدية لم يرضَ بحياة القرية المهمشة واختطّ لنفسه، بمساعدة أشقائه المتعلمين الأكبر سنًا، دربًا مختلفًا تمامًا. ذلك أنه منذ صغره بدًا مولعًا برسم الأشكال الهندسية والتصاميم العمرانية للمباني، ناهيك عن شغفه بتصاميم المساجد لا سيما المسجد النبوي بالمدينة المنورة والمسجد الحرام بمكة المكرمة.
وهكذا ما أن أتم دراسته الأولية في المدارس النظامية المصرية وتخرج من المرحلة الثانوية بنجاح إلا وكان قد أعد العدة للالتحاق بقسم العمارة بكلية الهندسة التابعة لجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، ليتخرج منها في عام 1950 أي قبل قيام الثورة المصرية بعامين، ويعيـّن معيدًا بها سنة 1951.

 


مشواره التالي بدأ بالسفر إلى ألمانيا للدراسة في جامعة ميونيخ التي حصل منها على درجة الدكتوراه في العمارة سنة 1957. بعد عودته من ألمانيا تم تعيينه مدرسًا بجامعة القاهرة، وبعد فترة من العمل الأكاديمي انتدب للعمل في هيئة الأمم المتحدة كخبيرٍ في تخطيط المدن.
في هذه الأثناء كانت المملكة العربية السعودية تبحث عن معماري مسلم لتخطيط بعض مدنها، فوقع الاختيار عليه في عام 1959 ليقوم بهذه المهمة، فتحقق له بذلك حلم ظل يراوده طويلاً وهو حلم المشاركة في تخطيط الأراضي المقدسة. فبقي في السعودية لأكثر من أربعة أعوام (1959-1963) وصفها بأنها كانت بمنزلة «عبادة متصلة»، وقام خلالها بإنشاء جهاز تخطيط المدن، وإنجاز العديد من مشروعات التخطيط العمراني لمدن مثل جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة وينبع وجازان.
في عام 1964 عاد مخلوف إلى القاهرة، وفي السنة التالية لعودته تم تعيينه أستاذًا في قسم تخطيط المدن بجامعة القاهرة زمن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي اصطدم والده به بسبب رفضه لقرارات عبدالناصر الاشتراكية، لا سيما تلك المتعلقة بتأميم الممتلكات الخاصة. وخلال هذه الفترة من حياته عكف على إعداد بحث علمي عن أوضاع ومستقبل مدينة القاهرة والجيزة إقليمًا عمرانيًّا متكاملاً، كما وضع مخططًا لهما واقترح إنشاء المدن الصحراوية على طريق السويس والفيوم.
وما بين عامي 1966 و1967 انتدب للعمل مديرًا عامًا لإدارة التخطيط العمراني للقاهرة الكبرى (تشمل محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية)، فأنشأ الهيكل التنظيمي للجهاز التخطيطي والتنفيذي، وأشرف على إعداد التخطيط العمراني لكل من منطقة شبرا الخيمة الصناعية، والمنطقة الحرة ببورسعيد، وأسهم في التخطيط لبناء مدن جديدة مثل مدينة العبور ومدينة العريش الجديدة وغيرهما، واقترح إنشاء الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى.

 


أما في عام 1968، حينما كان الشيخ زايد حاكمًا لإمارة أبوظبي قبل تأسيس الدولة الاتحادية وتولى سموه رئاستها، فقد طلب الشيخ زايد من هيئة الأمم المتحدة إرسال خبير في تخطيط المدن إلى أبوظبي كي يساعد بخبرته في إعداد المخطط العام الحديث لمدينة أبوظبي، فتم ترشيح مخلوف لهذه المهمة، لتبدأ مرحلة مضيئة من حياة الرجل أثبت فيها مجددًا كفاءته المعمارية الخارقة، وارتبط من خلالها بالإمارات ارتباطًا وجدانيًا.
يتذكر مخلوف لحظة وصوله إلى أبوظبي وظروف لقائه الأول بحاكمها، فيقول -طبقًا لما ذكره في حديث لصحيفة الخليج (2/‏2/‏2012)-: «عند وصولي إلى أبوظبي استقبلني المرحوم سعيد بن سلطان الدرمكي مدير التشريفات وأخذني إلى الشيخ زايد رحمه الله، وكما يقولون إن الإنسان يضع تصوره عن أي شخص من أول نظرة وأول موقف يجمع بينه وبين الأشخاص، وأنا بمجرد وقوع نظري في نظر الشيخ زايد رحمه الله، ومصافحته استقبلني ذلك الاستقبال الحار وأكرمني كل ذلك الكرم التي تجلت في الحفاوة المبالغ فيها في الاستقبال، وبعدها عرفت أنه يستقبل ضيوفه كلهم بهذه الحفاوة والكرم النابع من طبيعته الأصيلة من دون تفريق بين أحد منهم لمنصبه أو مكانته الاجتماعية».

 


واستطرد مخلوف متحدثًا عن صفات ومزايا الشيخ زايد فقال: «من خلال عشرتي معه، والتي امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا، وقفت على جوانب كثيرة من شخصيته، التي كونتها من خلال انطباعاتي الشخصية. من الأمور التي أدركتها وشهدتها شخصيًا، وتلك التي سمعتها من غيري ممن احتك به ولو لمرة واحدة وكوّن فكرة عن هذا الرجل العظيم، كان رحمه الله في محياه القوة والمهابة، وهذه الصفات يدركها كل من يلتقي معه للوهلة الأولى، سواء أكان رجلاً عاديًا أم أي شخصية لها مكانتها، سواء أكان رئيس دولة أم صاحب منصب رفيع أو أي ممثل أو سفير لدولة من الدول الكبرى أو الصغيرة. كان رحمه الله يشع بالجاذبية والبشاشة، وترى هذه الصفة لا تفارقه وهو في أكثر حالات التعب والإرهاق التي تسببه كثرة حراكه وتنقله بين المشاريع والوقوف على أمور الإمارة والدولة والقضايا المحلية والإقليمية والعالمية، فقد كان رغم تلك المشاغل العظيمة بشوشًا مبتسمًا يلقي عليك الأنس والراحة والسكينة، وكان ملء لمحاته العزم والشجاعة، وهذه الصفة أدركها الجميع بمجرد النظر إليه أو نظره إليهم، فقد كان رحمه الله شجاعًا في اتخاذ قراراته، ولعل التاريخ سجل له العديد من المواقف التي وقف فيها بكل عزم وشجاعة على كافة الصعد، وهذه الوقفات التاريخية لا تعد ولا تحصى، وكان في خطاه الإقدام والجسارة، فلم نجده يومًا تراجع أو جبن عن اتخاذ وتنفيذ أي أمر. فرحمة الله عليه».

 


وعن لقائه الأول بالشيخ زايد كتب مخلوف أيضًا نصًّا في كتاب مذكراته قال فيه: «عندما سلمت عليه بادرني بالقول والبشاشة تعلو وجهه (إيش ناوي تسوي.. تعطي لنا خرائط وتقول يجب تنفيذها.. أم ستقوم برسم ما نبغاه يا دكتور؟).. فقلت لسموه: (يا صاحب السمو لكل خارطة بدائل كثيرة.. فاختاروا منها ما يناسبكم وما نتفق عليه)، فسر رحمه الله لهذا الرد وأصدر مرسومًا أميريًّا بتعييني مديرًا لتخطيط المدن في إمارة أبوظبي وكلفني بتأسيس دوائر تخطيط المدن في أبوظبي والعين وإعداد المشروعات التفصيلية والتنفيذية للمدن والإمارة والإشراف على تنفيذها وذلك خلال الفترة 1968-1976».
وفي مايو 1972 أسس مخلوف المكتب العربي للتخطيط والعمارة الذي أنجز من خلاله العديد من المشروعات والتخطيطية في الامارات، كما أنه انتدب أستاذًا محاضرًا في كلية الهندسة بجامعة الإمارات في العامين الدراسيين 83-‏84 و84-‏85.
ولهذا كله، يمكن القول إن مخلوف كان شاهدًا من شهود العصر على تحديث مدينتي أبوظبي والعين وتحويلهما من مدن صحراوية إلى حواضر كوزموبولينية بتوجيه وإرشاد من الشيخ زايد رحمه الله الذي أرادهما مدنًا تجارية وتواكب العصر وفق أحدث الخطط العمرانية. ووفقًا لهذه الرؤى السديدة، قام مخلوف بإعداد دراسة علمية محكمة بعد أن تعرف إلى معالم أبوظبي وتاريخها وتكوينها الثقافي والاجتماعي في الخمسينات والستينات حينما كانت صغيرة الحجم، محدودة السكان، متواضعة الاحتياجات والامكانات، ولا تتجاوز أدوار مبانيها الدور الواحد، ولا تتسع طرقاتها لمرور سيارة واحدة، وسط ظروف طبيعية ومناخية قاسية.
كانت توجيهات الشيخ زايد آنذاك تستهدف توفير حياة كريمة للإنسان، وتشكيل مكان أمثل لمعيشته وحياته واستقراره من النواحي الاجتماعية والاقتصادية مع المحافظة على أصالة المكان وقيم الزمان المتوارثة.. فلا مواقع ذات قيمة أثرية تزال.. ولا أشجار أو نخيل تقطع، وإنما يتم التجديد والمحافظة والصيانة بأساليب علمية مبتكرة.

 


وهكذا، بدعم وثقة غير محدودين من قبل الشيخ زايد، شمّر مخلوف عن ساعده وراح يضع التصاميم والهياكل التخطيطية لتعمير وتحديث أبوظبي مستثمرًا في ذلك كل ما تعلمه وراكمه من خبرات وتجارب.
في هذا السياق، يخبرنا المستشار الإعلامي المصري شعيب عبدالفتاح في مقال ضمن سلسلة مقالاته عن «أبناء مصر في الخارج» ما مفاده أن أول ما فكر فيه مخلوف عند تخطيطه لمدينة أبوظبي كان خلق مساحات شاسعة من الحدائق العامة كي تكون بمنزلة عنصر تجميل للمدينة وعنصر ترويح للمواطن والوافد، ثم راح يهيئ مواقع لمختلف الخدمات والمرافق التي تستجد الحاجة إليها مستقبلاً، مع الحرص على زيادة المسافات الفاصلة بين المباني المتقابلة، وهو ما أتاح مرونة فائقة لجهة تصميم شبكات الطرق الرئيسة والميادين التي تتوسطها، وتشييد الجسور والجزر الفاصلة بين اتجاهات الطرق. كما حرص مخلوف على حفر قناة حول جزيرة أبوظبي لتسيير الملاحة حولها، وقام بتعميق المياه الضحلة لتخفيف نسبة الرطوبة، واستخدم نتائج الحفر في كسب أراضٍ عمرانية في جزيرة أبوظبي، ما أضفى عليها طابعًا جماليًّا مميزًا إلى درجة أنها اختيرت في عام 2005 واحدة من بين أجمل المدن العربية، إن لم يكن أجملها على الإطلاق.
ومما لا شك فيه أن الرجل واجه تحديات جسيمة ومعوقات كثيرة في عمله، خصوصًا أن مهمته كانت في حقبة الستينات، إذ المعلومات شحيحة وأدوات العمل بدائية والتكنولوجيا بعيدة مقارنة بما توافر في العقود التالية. غير أن الإرادة والعزيمة انتصرت على كل التحديات. وفي هذا السياق، قال مخلوف لصحيفة الاتحاد (5/‏9/‏2018): «إلى جانب مسؤوليات القائد (يقصد الشيخ زايد) السياسية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، كانت استجابته لتلك التحديات ببذل الجهود الدائبة عبر سنوات متتالية، لم يمضِ منها يوم دون مباشرته إدارة المهام العمرانية بمختلف جوانبها، كالتوجيه والمراجعة والمتابعة الميدانية والحسم والبت وتسهيل الصعاب وتذليل العقبات والمضي بعزم وعزيمة نحو الهدف دون تراجع وصولاً إلى ما نراه اليوم في أرجاء البلاد من نهضة عمرانية شاملة». وأضاف مخلوف أن الكثير من المشروعات العمرانية والخدمية التي ألحّ عليها الشيخ زايد في مخطط مدينة أبوظبي، بدت لبعض المسؤولين آنذاك ضربًا من الخيال وبعيدة المنال أو مستحيلة التحقيق.
ويتذكر مخلوف ما جرى عند التقائه بالشيخ زايد في قصر البحر سنة 1974، إذ كان موضوع اللقاء تسمية الشوارع الرئيسة في مدينة أبوظبي، فيقول في كتاب مذكراته سالف الذكر: «اختار الشيخ زايد الأسماء المعروفة الآن في المدينة، وهي في مجملها ذات دلالات حكيمة، الوفاء للأجداد من آل نهيان، وتأكيد الإحساس بالمدى الجغرافي لأبوظبي، شوارع مهمة بأسماء أماكن جغرافية: دلما، بني ياس، البطين. ومن المعاني الدالة على أهدافه نحو أبناء وطنه اختياره اسمًا فريدًا لأحد أهم شوارع أبوظبي (شارع السعادة)، وهذا يذكرني بما قاله أرسطو عن المدينة المثالية، أن تكون بجانب تأدية وظيفتها الأساسية: (توفير المأوى والحماية لسكانها) مصدرًا لسعادة الإنسان».
ولعل أفضل دلائل الانسجام والاندماج بين القائد زايد والمهندس مخلوف تجلت في صورة فوتوغرافية متداولة يظهر فيها الرجلان وهما جالسان على الأرض بتواضع وأمامهما رسم تخطيطي مجسم لمدينة أبوظبي، إذ يبدو مخلوف وهو يشرح بتعمق تفاصيل المخطط، بينما يستمع الشيخ زايد باهتمام واضح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها