النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11183 الخميس 21 نوفمبر 2019 الموافق 24 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بشائر الانتخابات الأخيرة

رابط مختصر
العدد 10842 السبت 15 ديسمبر 2018 الموافق 8 ربيع الآخر 1440

هناك تواريخ في مسيرة الشعوب تكون غير عادية ومفصلية، لا تشبه ما قبلها، وقد لا تشبه ما بعدها، وهي تأتي قليلاً، لكنها الأكثر أهمية، إذ تترتب عليها نتائج استثنائية، فهي أنعطافة تاريخية خارج الرتابة والسكون والثبات والتكرار، تأتي لإصلاح أخطاء وسلبيات سابقة وتقترح وتعزز أفكار وقيم بديلة، بالإضافة الى ما تصحبه هذه التواريخ من بدائل ومقترحات لإصلاح النواقص والسلبيات. هذه اللحظة المفصلية في التاريخ تدفع عجلة المسيرة المتعثرة والمتعسرة وتمنحها قوة وعافية جديدة ودفعا الى الأمام. وفي هذه الحالة تنبني عليها أسس جديدة ومتجددة ترفع البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
تمتاز هذه الحالات التاريخية بالمفاجئة المدهشة للبعض، والصادمة للبعض الآخر. ولكنها في جميع الأحوال ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات الأخطاء والسلبيات والعوائق. أيضا فالوعي العام واليقظة والحيوية الموجودة في المجتمع تكون ذات تأثير على ظهورها. الانتخابات الأخيرة في بلادنا، هي من هذه التواريخ التي ستحدث تحولات كثيرة في المجتمع في القادم من الأيام. هناك عدة أصعدة تشير الى هذه الدلالات، إذ لم يتوفر قبل هذا التاريخ هذا الحضور النسائي في الحياة السياسية الى الدرجة والكيفية التي جاءت في هذه الانتخابات، سواء من حيث العدد (خمسون في المائة من الناخبين نساء)، أوعلى مستوى الترشح التي كانت في العام 2018 ضعف ما كانت عليه في العام 2002، إذن هناك وعي وقناعة جديدة متقدمة لدى المرأة لم تكن موجودة (قبل هذا التاريخ)، بهذا الاتساع والكثافة، أيضا هناك ثقة بالنفس لدى المرأة، لم تأتِ من فراغ، فخروج المرأة (في العقود السابقة) من أسر البيت الى فضاء العمل في المؤسسات الخاصة والعامة، قد صقل شخصيتها وبلور قدراتها، ومكّنها من هذه الثقة بالنفس، والتهيوء لمسؤوليات أكبر ومنها العمل السياسي.
هكذا تقدمت المرأة بخطى ثابتة الى سدة المسؤولية النيابية باندفاع واضح. ذلك يعني أننا سائرون في الطريق الصحيح ونتقدم في مجال تمكين المرأة، كما في مجالات أخرى بسرعة قياسية. لكن هل يمكننا أن نتصور حدوث هذه النتائج السريعة في مسافة زمنية قصيرة لولا المشروع الإصلاحي، الذي على قصره الزمني أعطى المرأة اهتماماً خاصاً متميزاً دفع بها الى الواجهة، وكلنا نعلم أن هذه الطفرة النوعية متصلة كثيراً بالمشاريع الكثيرة المكثفة التي شهدناها في العقدين الأخيرين، وهذه مفخرة نتعتز بها.
إذا أردت أن تعرف مدى تقدم الشعوب فاسأل عن حضور المرأة في المواقع القيادية في الدول والمؤسسات. اليوم تحكم المرأة أعظم الدول (ألمانيا وبريطانيا)، وفي الوزارة الأخيرة في إسبانيا فاق عدد النساء عدد الرجال. لا غرابة في ذلك. تعطيل نصف الطاقة الإنتاجية للمجتمع لا يدفع المجتمع الى التقدم، وتفجير طاقة المجتمع كله يعطي إنتاجية أكبر تصل الى الضعف، ونحن نعيش عصر إنتاج المعرفة الذي يعتمد على العقل بالدرجة الأولى (لا القوة الجسمانية) وعقل المرأة يكون معطلاً في المجتمعات الجاهلة. إذن فهذه أيام سعيدة جعلت طقس الانتخابات احتفالياً ورائعاً، وكنت أرى تعبير ذلك في وجوه الناخبين. أيضا لا ننسى الرجل في هذه المأثرة (صعود المرأة السريع)، فالرجل البحريني يتمتع بوعي ملحوظ ولديه ثقة مطلقة في قدرات المرأة متى ما أتيح لها المجال، إنه إندماج وتناغم ثنائي رائع لوعي الرجل والمرأة معاً. الحصاد الثاني الجديد لهذه الانتخابات، هام ومفصلي، كالحصاد الأول، وتمثل في خروج المجتمع عن هيمنة الأشخاص والمؤسسات والأحزاب التي تصادر حرية الناخب في الاختيار. فهو بهذا الخروج يأخذ قراره بنفسه، دون وصاية من أحد. والتفكير بحرية واتخاذ القرار يعزز اشغال العقل عند الفرد وتنمية تفكيره ووعيه، فالتبعية الفكرية المطلقة للأشخاص هي ليست من سمات الحضارات الجديدة التي تتقدم على العالم. لا بد من تحرير العقل لتحرير الشعوب. لم تعد هذه التبعية موجودة في المجتمعات المتقدمة، فهي من مخلفات الماضي. والسلطة المطلقة للفرد على الشعوب أدت الى حروب وكوارث كثيرة، فالحربان العالميتان كانتا من هيمنة وقرار أفراد. وأعتقد أننا نتقدم خطوة الى الأمام عندما نختار متحررين من أي نوع من الهيمنة الخارجية. أننا نعطل طاقة التفكير عند الإنسان عندما نفكر بالنيابة عنه، وعندما يقبل هو ذلك.
وسجلت الجولة الثانية لهذه الانتخابات أكبر جولة ثانية في تاريخ الانتخابات. أي أن هذه الجولة أكدت بدورها تصميماً ثانياً عند الناخب للمشاركة، ما ينم عن إرادة وتقصد دافعه الوعي والحس الوطني.
المحصلة الثالثة المبشرة هي اكتساح الشباب لحلبات الانتخابات (بين عمر العشرين والثلاثين)، هذه الظاهرة فيها دلالات إيجابية للأيام القادمة، فالشباب هم المستقبل، فإذا كان شبابنا يمتلك هذا الوعي وهذا الاهتمام بالشأن العام، وهذا الحس الوطني الرفيع، فهو حتما سيكون على قدر المسؤولية في السنوات القادمة بعد أن يتسلح بالخبرة.
تمظهر الوعي الشبابي أيضا في المراقبة والمتابعة التي كانت ترصد المخالفات الانتخابية التي جاءت من قبل بعض المترشحين، وكان هذا السلوك الشبابي على مواقع التواصل الاجتماعي، ينم عن وعي وحس بالمسؤولية وطلب النزاهة، فهذه الأساليب قد تأتي بنواب هم ليسوا الأكفأ، والنائب الذي يستخدم وسائل غير سوية لا يستحق أن يصل الى سدة المجلس النيابي. إذن هناك رأي عام أكثر انخراطاً في العملية الديمقراطية، هذا الرأي العام يستطيع أن يتصدى لأي نوع من التدخل في حرف مسار الانتخابات مستقبلاً من أي جهة كانت، إذ أن مثل هذا التدخل يعني خروجاً سافراً عن نهج الديمقراطية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا