النسخة الورقية
العدد 11035 الأربعاء 26 يونيو 2019 الموافق 23 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

احتجاجات عاصمة الأنوار

رابط مختصر
العدد 10841 الجمعة 14 ديسمبر 2018 الموافق 7 ربيع الآخر 1440

 على مدى الفترة الماضية التي تربو على الشهر منذ أن اندلعت الاحتجاجات في العاصمة الفرنسية باريس، مدينة الأنوار وفي مدن فرنسية أخرى، كنت أتابع مثل غيري على شاشات التلفزة أو ما تحمله الفيديوات التي تتداول على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد مثيرة لاحتجاجات كان دافعها الرئيس اقتصاديًا بحتًا منطلقاته المطالبة بإيقاف العمل بزيادة أسعار الوقود، غير أن إيقاعها تطور حتى أُضيفت إلى مطلبها مطالب أخرى كان من ضمنها الدعوة إلى استقالة رئيس الجمهورية ماكرون الذي وصل إلى الرئاسة عن طريق صناديق الاقتراع. قادت هذه الاحتجاجات حركة تسمّت بـ«السترات الصفراء»، أو «الصديرات الصفراء» كما يصحح ترجمتها المتداولة هذه إلى العربية الكاتب الصحفي بجريدة الشرق الأوسط سمير عطا الله، وقد اتسمت تحركاتها بموجات عنف خلفت دمارًا وفزعًا في شرايين عاصمة الأنوار، وضحايا كان من بينهم قتلى، ونتجت عنها خسائر مادية فادحة قدرت بالمليارات وقادت إلى تعطيل مرافق عديدة ذات جاذبية سياحية فألحقت بالاقتصاد الفرنسي خسائر جسيمة.
 كان يحاصرني، منذ أول يوم تفجرت فيه احتجاجات باريس، تصريح في شكل تغريدة للسفيرة الفرنسية لدى مملكة البحرين سيسيل لونجيه كانت قد غردت بها، قبل ستة أشهر، في شأن بحريني داخلي يتصل بحكم قضائي عادل أصدره القضاء البحريني المستقل ضد أحد المحرضين على العنف والإرهاب ممن احترفوا التعريض بسمعة مملكة البحرين وبمؤسساتها الدستورية. وأذكر أنني تناولت تغريدتها تلك في مقال بعنوان «سؤال موجه إلى السفيرة الفرنسية: كيف سيكون ردك؟!» وها أن نبوءة القلم تتحقق وتندلع في فرنسا حركة احتجاجية عارمة جعلت عاصمة الأنوار قبلة كل الأقلام التي يُحاول أصحابها فك شفرة ما يجري في الدولة التي تُعد رائدة الديمقراطيات الحديثة منذ ثورتها الشهيرة أواخر القرن الثامن عشر.
 في مقالي هذا سأحاول مقاربة موقف سعادة السفيرة ذاك من الأحداث التي وقعت في مملكة البحرين بما يجري اليوم في بلدها فرنسا رائدة الديمقراطية وحقوق الإنسان. فهل كانت السفيرة ستدين رجال قوات الأمن في بلادها وهم يُسقِطون القتلى والجرحى ويعتقلون الآلاف من المواطنين لمجرد الشبهة في احتمال الانخراط في أعمال شغب وعنف؟ هل كانت ستفعل مثلما أدانت قضاءنا آنذاك في التغريدة التي ذكرت، أم أنها ستقف مع قوات الأمن الفرنسي ضد من نووا ممارسة العنف أو من مارسوه من خلال مصادماتهم مع رجال الأمن وضد من قاموا بأعمال الحرق والتخريب، مثلما كان الأمر هنا في البحرين حين سعت عصابة إرهابية إلى بث الفوضى واستهداف رموز الأمن والأمان في مملكتنا الحبيبة؟!
 أظهرت احتجاجات «السترات الصفراء» أن الحكم على أحداث مماثلة بعيدة عن الأراضي الفرنسية أسهل كثيرًا من الحكم عليها إذا ما حدثت على الأراضي الفرنسية، وذلك مقترن بالتأكيد بالمعايير التي تقاس بها الأمور، والحديث عن حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية يغدو سهلًا إذا ما كانت النار تضطرم خارج دائرة التأثير عليك مباشرة. في هذا السياق سأتناول تصريحين لشخصيتين فرنسيتين رسميتين لتوضيح أوجه الشبه بين ما حدث في كل من فرنسا والبحرين.
 التصريح الأول لوزير الداخلية الفرنسي وقد جاء في شكل تحذير من أن بين المحتجين عناصر «راديكالية مندسة»، وكأنه يقول سنركن حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية الفرنسية جانبًا وسنتعامل مع الاحتجاجات بالشكل الذي يحفظ الأمن والاستقرار. وهذا بالضبط ما كان يجري عندنا في البحرين، لقد بُحت أصواتنا في وسائل الإعلام المختلفة وفي المحافل الدولية ونحن نعلن للعالم بأن الأحداث التي جرت وقائعها على أرض البحرين وضاق مجتمعنا بما أفرزت من عنف وإرهاب أدى إلى حدوث ندوب غائرة في نسيجه، كانت تديرها عناصر طائفية عقائدية راديكالية هدفها إسقاط النظام وإلحاق البلاد بنظام ولاية الفقيه، وأن أي كلام غير ذلك ما كان سوى جزء من حرب إعلامية أحكمت قوى الشر والإرهاب إعداد موادها وتصنيفها لتختار منها ما هو صالح للاستهلاك في فضاء الإعلام الموجه إلى الخارج.
 أما التصريح الثاني فقد جاء على لسان رئيس الجمهورية ماكرون حيث قال في نبرة اعتذار مبررًا خروج المحتجين «إن الاحتجاجات مردها ضائقة مستمرة 40 عامًا...» ونحن في مملكة البحرين نقول إن الطائفية المذهبية بدت تتفشى في المجتمع البحريني منذ حوالي 40 عامًا أيضًا، أي مع بداية الثورة الخمينية التي أسست لنشر الفوضى في العالم العربي مبتدئة من دول الخليج العربي. فما سُمي باحتجاجات البحرين لم تكن نتيجة ضوائق اقتصادية، وإن كنت لا أنفي أن وجود مثل هذه الضوائق بين الشرائح الاجتماعية قد تكون عاملاً من عوامل التململ، ولكن محركات ما جرى بالبحرين أفكار طائفية مذهبية تقاسمتها جمعيات سياسية ارتهنت لعقيدة الولي الفقيه وتغذت بالمال القطري الفاسد وبالدعم الإعلامي واللوجستي من أذرع إيران الإرهابية كحزب الله اللبناني مثلا.
 خلاصة القول إن الاحتجاجات في فرنسا مبررة اقتصاديًا وهذا ما اعترف به الرئيس الفرنسي ماكرون، وإن كان العنف غير مبرر بطبيعة الحال، ويمكن استيعاب هذه الاحتجاجات واحتوائها في نظام جمهوري ديمقراطي. غير أن أحداث البحرين لم تكن مبرراتها وجيهة ولا كانت أصلاً محكومة بأهداف وطنية. شعب البحرين وحكومته كانوا أمام مفترق طرق، فإمّا أن يستعيدوا النظام ويحافظوا على الدولة، أو أن يفقدوا هذه الدولة ويضيعوا هذا الوطن؟ لهذا فإن مملكة البحرين في معالجتها حراك العنف والإرهاب لا تثريب عليها ولا لوم في كل ما اتخذته من إجراءات وتدابير؛ لأن الخطر القائم آنذاك لا يُمكن التسامح أو التساهل في التعامل معه.
 فرنسا دولة عريقة أهدت إيمانها بقيم الحرية عددًا من الشعوب من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية التي يُعد تمثال الحرية المطل على خليج نيويورك بولاية نيويورك شهادة على الأثر الفرنسي في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها مع ذلك ارتكبت أخطاء كثيرة من ضمنها ماضيها الاستعماري وما صاحبه من عبث بقيم الحرية وحقوق الإنسان، وتعاطيها الراهن مع الاحتجاجات فيها، ولذلك ستبقى الدولة الفرنسية عرضة للنقد من دول العالم؛ لأنها لم تعالج مشكلتها بالأدوات الديمقراطية بالسرعة المطلوبة، ولأن الطبقة السياسية فيها تعامت عن إيجاد الحلول لواقع موروث استمر أربعين عامًا كما قال رئيسها إيمانويل ماكرون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها