النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الثقافة باعتبارها «كلامًا فارغًا»!!

لماذا تغيب الثقافة عن أولويات العمل النيابي؟

رابط مختصر
العدد 10839 الأربعاء 12 ديسمبر 2018 الموافق 5 ربيع الآخر 1440

أثار أحد الزملاء الكتاب مؤخرًا، موضوع غياب الثقافة في برامج النواب الجدد، الأدب والثقافة والفنانين وعدم اهتمامهم بقضايا الثقافة، فما بالك بدعم الثقافة والمثقفين والأدباء والفنانين؟!
فقلت للزميل العزيز: حتى لا نتهم النواب الجدد بالتقصير في هذا الجانب، فإني أطمئنك بأن تلك هي القاعدة منذ الانتخابات 2002، فلا أحد تقريبًا -من الجدد أو السابقين- تهمه الثقافة والفنون والآداب والفكر، لا من بعيد ولا من قريب، فما بالك بالمطالبة بدعمها ماديًا أو معنويًا، بل إن الثقافة في الدورات السابقة لم تثر إلا في مناسبة أو مناسبتين، لكن بالمعنى السلبي للكلمة، أي من خلال مساءلة وزارة الثقافة آنذاك احتجاجًا وغضبًا عن بعض فقرات مهرجان ربيع الثقافة في معاداة كاملة لأي أمر ثقافي.
وقد يعود ذلك إلى أحد أمرين أو إليهما معًا:
- الأولوية الكبيرة التي تحظى بها المسألة الاجتماعية - الاقتصادية، ما جعل أغلب النواب يركزون على الخدمات، وهي تقريبًا ما يهم الناخب في أغلب الأحيان (من سكن وتعليم وبنية أساسية وصحة...).
- القناعة التامة عند البعض بأن (الثقافة مسألة تزيينية) أو أن الثقافة (كلام فارغ)، أو حتى (خطر داهم) على الهوية وعلى القيم والثوابت، إلى آخر تلك اللائحة الغريبة من الشعارات والتبريرات الخشبية.
والحقيقة أن أغلب النواب لا يمتلكون برامج انتخابية بالمعنى السياسي للكلمة، وإنما قد نعتبر ما يعبرون عنه من الأماني والتطلعات، سواء بالتبعية لجمعياتهم أو لضمائرهم واجتهاداتهم، بمنزلة البرامج التي لم نجد من ضمنها أي شيء يتعلق بالثقافة، هنالك حديث عن دعم الموظفين والعمال والمتقاعدين والعاطلين، ولكن لا شيء تقريبًا يتعلق بالمثقفين؛ الأدباء والفنانين والمفكرين والعلماء وغيرهم.
فالإطلالة السريعة على أغلب هذه البرامج، تلاحظ فقرًا شديدًا في البعد الثقافي، في مقابل التركيز على الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا اعتراض على أن يكون البعد الاقتصادي - الاجتماعي مستحوذًا على 99% من مساحة الاهتمام بالنظر إلى أولويات الناس وحاجاتهم الضرورية، إنما الغريب حقًا، هو الغياب التام أو شبه التام للبعد الثقافي ضمن هذه البرامج المصرح بها.
ومن المؤسف هنا أن أغلب النواب -السابقين واللاحقين- في مجملهم يعتبرون الثقافة من الكماليات، وإما ينظرون إلى الثقافة من موقع الشبهة والريبة والابتداع، ولذلك تكاد تركز برامجهم على الاحتياجات السكانية والطرقات والكهرباء والمجاري والطرقات، والأرصفة، والبيوت الآيلة للسقوط، ما يقربهم إلى منطق الهموم البلدية وليس إلى روح التشريع. وحتى السياسيين من المثقفين -وهم قلة قليلة- يتنصلون عندما يترشحون من البعد الثقافي عندما يستبد بهم الشأن السياسي بمكره وخداعه وألاعيبه ومساوماته والذي هو نقيض «للنقاء» الثقافي والفكري.
لا شيء يبقى للثقافة تقريبًا إلا الدولة والهامش الأهلي الصغير من المشتغلين في صناعة بلا أرباح مادية فورية، الدولة وحدها تقريبًا هي التي ما تزال تتبنى برامج وتخصص موازنات للشأن الثقافي كجزء من صورتها وهويتها الثقافية والقومية، بالإضافة إلى جهد أهلي صغير درج على أن يتنفس الثقافة كجزء من الحياة اليومية.
ولعل هذا الأمر الغريب يطرح سؤالاً في منتهى الجدية وهو: أو ليس غريبًا أن نجد العديد من مثقفينا معزولين عن العالم، بلا حضور، متعالين عن معركة تسهم في تشكيل مستقبل هذا الوطن -لا يرشحون ولا يترشحون- مشغولين بخوض حروبهم ومعاركهم الخاصة أو بالبحث في مفردات الهموم الثقافية النرجسية في الجلسات الليلية، والاكتفاء بالفرجة على المشهد العام الانتخابي وكأنه مسرحية هزلية أو دراما إغريقية؟ وبعض هؤلاء يحسبون أن الرأي العام لا يفهم ولا يهتم فهو يُقاد قودًا، ومن هذا المنطلق المحبط يبقى العديد من مثقفينا معزولين منخرطين في تبادل النواح دون أن يكون لهم في أغلب الأحيان دور في بناء الوعي أو التأثير على مجريات الانتخابات، أو في وعي الناس وإدراكهم بأنها حاجة أساسية في الحياة كالهواء، وإدراك ما للثقافة من وظائف وأدوار تنموية وتنويرية، باعتبارها صمام الأمان ضد تأثيرات الأمراض الوافدة التي صنعها الإرهاب والكراهية، وهي بهذا المعنى آخر جدار يمكن الاتكاء عليه، ما يجعل الاستثمار في الثقافة هدف كل الدول التي تحترم شعوبها، وتسعى الى الارتقاء بذوقها وفكرها.
وباختصار، فإن الدول التي استثمرت في الثقافة والعلوم هي الدول التي استطاعت ان تنتقل الى مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة بالفعل وليس بالشعارات، ويكفي هنا الإشارة الى أن شركة واحدة من شركات انتاج المعرفة والتقنية الحديثة في الولايات المتحدة الامريكية، تبلغ ميزانيتها لوحدها إلى 900 مليار دولار. ولذلك فتشجيع الاستثمار في الثقافة يجعلها مصدرًا للثروة وشكلاً من أشكال الاستثمار. أما الذين يحاربون حضور الثقافة ودعم الثقافة، فإنهم في الغالب يعملون على تنميط المجتمع وقولبته ومنعه من التطور وغلقه عن العالم الجديد. مع أن الثقافة سند للتنمية ومعززة للاستثمار ومنتجة للثروة، ومعظمة للدخل الوطني، وهي أيضا سند للسياسة، بأبعادها الأكثر عمقًا وتأثيرًا.
وإذا كان الاقتصاد العالمي كله أو جله على الأقل، يتجه نحو اقتصاد معرفة، وجعل الثقافة جزءًا من هذا البعد، فهل كثيرًا علينا أن نطلب من السادة النواب الجدد أن يحرصوا على أن تنال الثقافة حصتها المناسبة من موازنة الدولة، وحصتها من العناية والدعم والتشجيع للإنتاج الثقافي، وتطوير التشريعات الثقافية، وإحاطة المبدعين بالمزيد من التشجيع والرعاية، وذلك لأن بحرين الغد تحتاج الى المزيد من القرارات والاجراءات التي ترتقي بالثقافة الوطنية إلى المستوى المنشود، تعزيزًا لمجتمع المعرفة، وحفزًا على الانخراط في الأنماط الجديدة للإنتاج الثقافي. فإذا ما أريد للثقافة أن تكون مشروعًا وطنيًا يرتبط بالهوية الوطنية والقومية وبالأفق الإنساني، فإنها يجب أن تكون جزءًا من اهتمام الجميع، دولة ومؤسسات مجتمع مدني وأهلي.

همس
تستفزك يوميًا حالات كثيرة، عبر النشر أو أحاديث الثرثرة الخالية من المعنى، تلك الوقاحة والسخافة تصيبنا بالغثيان والشعور بالقرف.... كلام فارغ واستعراض عضلات وشقشقة لفظية وادعاءات. ويريد أن يوهمنا بأنه يعلم ما لا نعلم ويعرف ما لا نعرف ويدرك ما لا ندرك
لقد أصبحنا من كثرة عدد هؤلاء الأدعياء المرضى، نتمنى أن نرى من يقول: لا أعرف، لا علم لي، لا أدري، الله أعلم.
ولا شك أن افتقاد المجتمع إلى مثل هؤلاء المتواضعين، يدل على أننا نعيش نوعًا من الاختلال، يؤدي إلى الكذب والغرور والادعاء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها