النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

هل نحن مجتمعات شفافة؟

الشفافية ومقتضيات الحياة الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 10837 الاثنين 10 ديسمبر 2018 الموافق 3 ربيع الآخر 1440

أصبحت الشفافية مفهوماً رئيسياً يرتبط بالنظام الديمقراطي في أي مكان في العالم. فالحديث يجري عن المطالبة باقتصاد شفاف وبإعلام شفاف، وبسياسات شفافة وبتنمية شفافة وبقرارات شفافة....
وتأسيساً على أهمية الشفافية كمعيار للديمقراطية والتقدم، أصبح للدول ترتيب في سلم الشفافية الذي يرتبط بالعديد من المفاهيم الأخرى ذات الصلة، مثل المحاسبة والمساءلة والحوكمة والإعلام الحر، وغير ذلك من العناصر اللازمة، إلا أن الأهم من ذلك أن الشفافية هو في الأساس حالة ثقافة مجتمعية بالدرجة الأولى، مثل الديمقراطية، إذا غابت من الصعب زرعها أو فرضها.
 وهنا يطرح السؤال الأهم: هل نحن مجتمعات شفافة؟ وهل نتعامل بشفافية مع أنفسنا ومع أسرنا ومع محيطنا الاجتماعي والوظيفي ومن ثمة مع الدولة؟.
فمن يستطيع أن يعطي جواباً بالإيجاب يعرف معنى الشفافية وهو من يستطيع أن يقدر أبعادها ويمارسها في أي موقع كان. فكيف نطلب من إنسان لا يصدق في حياته الشخصية ولا مع أقرب الناس إليه أن يكون مسؤولاً صادقاً تجاه وظيفته وتجاه التزاماته الوطنية؟.
وإذا كان الشخص غير واضح في طروحاته متلوناً يقول الشيء وضده، فكيف نطلب منه أن يكون شفافاً عندما يتولى منصباً ما، أو مسؤولية ما في أي موقع. ‏
صحيح أن الشفافية أمر حيوي وأساسي لأي مجتمع ديمقراطي، إلا أنه يجب أن نفهمها على أنها تقاسم للمعلومات والتصرف بطريقة مكشوفة وواضحة تماماً دون إخفاء الحقائق، لأنها تتيح للمجتمع ومؤسساته الدستورية والمدنية الأهلية والإعلام الحصول على المعلومات العامة والمهمة حول أي موضوع حيوي يهم المصلحة العامة، وقد يكون لهذه المعلومات دور حاسم في الكشف عن المساوئ والأخطاء والمساعدة على معالجتها على نحو صحيح وواضح بعيداً عن الشائعات، لذلك تمتلك الدول الملتزمة بالشفافية بإجراءات واضحة، لكيفية صنع القرار على الصعيد العام. كما تمتلك قنوات اتصال مفتوحة بين أصحاب مؤسسات المجتمع المدني والمسؤولين، وتضع سلسلة واسعة من المعلومات في متناول يد الجمهور.
وكمثال على الشفافية المتكاملة في مجتمع شفاف وواضح يمكن أن نذكر الدول الإسكندنافية التي تتمتع بأفضل سجل في محاربة مختلف أنواع الفساد في المعاملات الرسمية، حيث يتقلص وجود الرشاوى ومحاولات إغراء أصحاب القرار للحصول على فوائد أو مصالح خاصة أو شخصية، ولا غرابة أن تحل فنلندا في المرتبة الأُولى عالمياً في محاربة الفساد في المعاملات الرسمية وحصول كل من الدنمارك والسويد والنرويج على الترتيب الثالث والسادس والثامن على التوالي على مستوى دول العالم، كما تحقق الدول الأوروبية الأخرى مثل آيسلندا وهولندا وسويسرا المراتب العشر الأُولى في العالم في عدم تقبل الفساد في المعاملات الرسمية.
إن الشفافية في النهاية عنصر رئيس من عناصر المساءلة يترتب عليه جعل المعلومات العامة والتقارير متاحة للفحص والمراجعة والدقيق، كما إن المطلوب في هذا الاتجاه أيضاً احترام تحليل المعلومات من قبل المختصين التكنوقراط لإعطائها المدلول الموضوعي وليس للمزايدة السياسية، فالشفافية تقي من ارتكاب الأخطاء في تقدير الموارد او التصرف في الموارد او في احترام مبدأ تكافؤ الفرص. لذلك يجب توجيه كل الجهود لتعزيز الشفافية ومساعدة الأجهزة الحكومية على جعل كل شيء شفافاً وواضحاً، فالإدارة بوجه عامل تتيح فرصة لارتكاب المخالفات من جانب الموظفين والإخلال بشروط العمل في غياب الرقابة، ولذلك فإن الشفافية والمساءلة تتيحان مساحة واسعة لحماية المصلحة العامة، وتستطيع وسائل الإعلام إحداث قدر كبير من التأثير في هذا الميدان وكذلك مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدستورية الديمقراطية، فالشفافية هدفها أن تكون مقدمة للمساءلة والمحاسبة، لذلك فإن المشكلة في الدول الديمقراطية ترتبط بالتأكيد بالقدرة على الحصول على المعلومة، فلا أسرار في المجتمع الديمقراطي إلا ما يتعلق بالأمن القومي والأمن الصناعي والعلمي والمساءلة تشكل، خصوصاً من حيث علاقتها بإدارة الأموال العامة، معياراً من معايير الإدارة العامة السليمة، وتتطلب المساءلة وجود نظام لمراقبة وضبط أداء المسؤولين الحكوميين والمؤسسات الحكومية، خصوصاً من حيث النوعية والكفاءة واستعمال الموارد والسلطة، ولذلك فإصلاح مؤسسات الدولة لكي تصبح أكثر كفاءة ومساءلة وشفافية هو ركن من أركان النظام الديمقراطي.
بالنسبة إلينا، فمن الواضح أننا ما نزال في بداية الطريق، ومن الواضح أيضاً أن هنالك رغبة رسمية معلنة وحقيقية في تكريس الشفافية والمساءلة، وهنالك شعار كبير مرفوع في هذا المجال؛ إلا أن الممارسة ما تزال في بداياتها، ونتطلع في المستقبل إلى أن يشهد هذا الأمر تطوراً كبيراً لأن الشفافية والمساءلة يحققان مصلحة المجتمع على نحو شامل.
وتبقى هنالك مشكلة وهي أن الأمر ما يزال يقتصر على فهم الشفافية والمساءلة في اتجاه واحد، وهو الاتجاه نحو المؤسسات الحكومية، ومطالبتها بأن تكون شفافة في عملها، في حين أن الأمر يجب أن يشمل الجميع، من جمعيات سياسية ومؤسسات مجتمع مدني بكافة أنواعها، وقد رأينا في الواقع كيف يغضب البعض في مثل هذا المؤسسات عند مطالبته بالالتزام بالشفافية، وخاصة من يفترض به أنه يدافع عن الشفافية، فعندما يُسأل عن مصدر تمويل نشاطاته أو جمعيته وهو سؤال بسيط وبديهي، يرد بغضب ورفض، في الوقت الذي يطالب فيه الجهات الرسمية بأن تكون شفافة. ولذلك نرى ضرورة أن تكشف الجمعيات حساباتها ومواردها وأوراقها للناس بداية، وإذا كانت هي التي تطالب بالشفافية فعليها أن تكون أول من يطبق ذلك على نفسه، حتى تكتسب المصداقية.
إن الشفافية تعني تحمل المسؤولية، وإذا ما زرعت الشفافية بين الناس فإن المجتمع يتحرر من الشائعات ومن الخوف على المستقبل ومن الشكوك والاتهامات العشوائية، ومن مظاهر التذمر والشكوى والشكوك وإطلاق الاتهامات الجزافية.
أعتقد البحرين، وبفضل المشروع الإصلاحي، نسير على هذا الطريق بشكل مبدئي على الأقل، فهنالك رغبة معلنة والتزام معلن وهنالك مجلس للنواب ومجلس للشورى، وهنالك صحافة حرة ومؤسسات للمجتمع المدني وديوان للرقابة، وجميعها تمارس دورها في المساءلة والرقابة وتحقيق القدر الضروري من الشفافية ولكن هل هو كافٍ إلى الدرجة التي تجعل المجتمع مطمئناً تمام الاطمئنان؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها