النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

البحث عن وليد مفقود

مفارقات في علاقة اليسار بالإسلام السياسي

رابط مختصر
العدد 10830 الإثنين 3 ديسمبر 2018 الموافق 25 ربيع الأول 1440

في نقاش مع أحد الأصدقاء حول ما أوردته في مقال سابق (البحث عن الغائب في الجنة المفقودة)، والذي طرحت فيه مفارقات علاقة اليسار بالإسلام السياسي.
قال الصديق: «إن أزمة اليسار العربي، ليست أزمة جديدة، فهي تعود إلى ستينيات القرن الماضي على الأقل. ولا نحتاج هنا إلى استعراض نماذج من الإشكالات والانشقاقات الدموية في عدد من هذه الأحزاب، ولكن المهم أن اليسار العربي قد عجز طوال تاريخه عن فرض نفسه كقوة سياسية مؤثرة في الشارع، إلاّ في حالاتٍ نادرةٍ. لأسباب عديدة، منها إشكالية تبعيّته للاتحاد السوفياتيّ السابق أو للصين الماوية، والتي جعلت منه جماعات أقرب إلى المليشيات السياسية التي تأتمر بأمر المركز (على نمط المرشد العام). !! ففي الخمسينات والستينات انتشرت الأفكار الوطنية والقومية واليسارية وغنمت منها الحركات الاستقلالية مكاسب كبيرة ومهمة لا يمكن انكارها أبدا. وكان ذلك في إطار ما سمي بسنوات المجد من حيث الازدهار الاقتصادي والرقي الاجتماعي وانفتاح سبل الامل أمام الدول الناهضة، خاصة بعد نشوة تحررها من الاستعمار الغربي، بعد الحرب العالمية الثانية. ومع بداية السبعينات حلت الأزمة الاقتصادية وهي أزمة طويلة المدى وشهد العالم صعود الفكر المحافظ في الغرب والشرق والأمثلة على ذلك عديدة من بريطانيا إلى بولونيا. في هذا الإطار برزت عودة التدين المحافظ في كل مكان تقريباً، بقطع النظر عن أشكاله. وأضحت للكنائس مثلاً أدوار بارزة في الحياة الاجتماعية والسياسية، ولذلك أضحى التطرف اليميني عاملاً مؤثراً في الحياة السياسية في الغرب حتى اخترقت شعارات الأحزاب اليسارية العريقة. ولأن الأزمة أشد في البلدان الإسلامية إضافة إلى عجز الأنظمة الوطنية على بناء الدولة الحديثة على أسس ثابتة، ونتيجة لمخلفات الاستعمار الثقيلة والعجز عن تقديم أي أمل في حل القضية الفلسطينية كان صدى الحركات الدينية يتردد في كل مكان تقريباً في السر والعلانية كبديل وكتعبير عن صعوبة فهم الحاضر والتهيئ للمستقبل، وذلك بالركون إلى ماض وهمي نقي مفترض سهل الاستيعاب وينال رضى الجمهور لأنه لا يتطلب أي جهد فكري باعتباره يقوم على التسليم بالبدايات ويعد بنهايات سعيدة.

قلت للصديق:
أتفق معك في بعض التوصيف، ولكن ما كان يهمني هو فهم أصل المفارقة في سلوك اليسار ومواقفه، فقد وجد نفسه محاصراً بين سلطة تكفره، ومجتمع يكفره. إضافة إلى محدودية آليات عمله وضياع بوصلته فوجد نفسه إما مندفعاً نحو تحالفات غير مبدئية، وإما متهجماً على الجميع.
ففي مرحلة أولى من تطور فكر اليسار وعمله السياسي كان لا يدعو فقط إلى فصل الدين عن الدولة وبناء الدولة الاشتراكية فقط، بل كان يذهب إلى فصل الدين عن الحياة العامة، ومن هذا المنظور قرأ اليسار التاريخ العربي وأرجع أسباب تخلفه إلى هيمنة التفكير الديني على كل مجريات الحياة، ولذلك قامت أغلب الأدبيات اليسارية على أساس أن أي تقدم لا بد أن يحسم هذه النقطة أولاً. وعلى هذه الخلفية بنى القسم الأكبر من اليسار مواقفه من تيارات الإسلام السياسي، فهي رجعية، والنضال ضدها مقدم عن النضال ضد الديكتاتورية، وحتى ضد الاستعمار في بعض الاحيان. وهذا في تقديري كان خطأً فادحاً، وكان وراء خسارة اليسار للشارع العربي وضياع بوصلته الفكرية والسياسية. ولكن بعض هذا اليسار، عندما أراد أن يصلح الوضع والتصالح مع قوى الإسلام السياسي الصاعدة منذ ثمانيات القرن الماضي وحتى اليوم، عمد إلى معادلة انتهازية تتمثل في مزاوجة المصالح بين قوًى ذاتِ منطلقاتٍ غير منسجمة لا فكرياً ولا أيديولوجيا ولا سياسيا، وكان كل ما يجمع بينها هو (كراهية الأنظمة القائمة). تماماً مثل تلك المزواجة التي حدثت في الحالة العراقية بين الحزب الشيوعي وجماعة الصدريين، وفي سوريا بين نظام البعث والنظام الأصوليّ الإيرانيّ وحزب الله اللبناني بالرغم من الهوّة العميقة بينهم من حيث الأسس الإيديولوجيّة، ولذلك بقيت هذه العلاقة وسوف تبقى هزيلة وانتهازية ومضللة. فالأصولية الإسلاميّة التي يمثلها نظام الملالي في إيران مثلاً، لم ترَ مانعاً من التحالف مع البعث في سوريا، ومع الجماعات الماركسية في بلدان عربية أخرى تناصبها طهران العداء، مع ان نظام الملالي قد سبق له سحق القوى اليسارية في إيران سحقاً مبرماً باعتبارها (ملحدة وعميلة للخارج هكذا!!) بالرغم من أن بعض تلك القوى اليسارية قد سبق لها أن ناصرت نظام الخمينيّ الأصولي. وللأسف، فإنه قد تم باستمرار تبرير مثل هذه العلاقات الانتهازية (غير المبدئية) بشعار»التحالف الجبهوي»، وهو ذات الشعار الذي سمعناه يتردد خلال أزمة 2011م، وهو ذات الشعار الذي خنق اليسار (أو ما بقي منه)، وجعله تابعاً وذيليّاً. واعتبر أن مثل تلك العلاقة كانت كارثة على اليسار كما على المجتمع، فإذ كان فصيل أصولي طائفي، مثل حزب الله اللبناني (المصنف حالياً ضمن الجماعات الإرهابية في العالم) قد قاتل إسرائيل في يوم من الأيام، فإن ذلك لا يمكن أن يخفي عنا طبيعة هذا التنظيم الطائفي والتابع حرفياً وبشكل معلن لإيران، ولا أن أهدافه تتناقض مع الديمقراطية والحرية بل ومع أهداف اليسار نفسه، وهذا يجعل الحديث عن الجبهة والممانعة مثلاً حديثاً سطحياً مضللاً.

قال الصديق وهو يلخص المسألة من وجهة نظره:
 إن الظاهرة الأساسيّة التي رافقتْ أفولَ اليسار منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، هي احتلالُ التيّارات الدينيّة ساحة المعارضة. ولذلك يجد نفسه مهمشاً على الساحة التي عمل على احتلاها لمدة طويلة من دون جدوى، ولذلك يعمل على التسلل إلى داخل جماعات الإسلام السياسي وما يتطلبه ذلك من تنازلات عن المبادئ والهوية في محاولة للبحث عن دور ما في ساحة المعارضة.

قلت:
مازالت أعتقد أنّ على اليسار إذا أراد أن يتمكّنَ من إعادة بناء ذاته، أن يكون يسارًا كاملَ الهوية. فأيُّ يسارٍ ينتقص من هويّته ويتنازل أو يغيب بعضَ مبادئه بهدف التحالف مع قوًى أخرى، دينيّةٍ أو غير دينيّة، فإنّ هذه القوى ستبتلعه، مثلما حدث لليسار في البحرين في 2011م، حيث فقد هويته تماماً، وأصبح مجرد هامش تابع.
همس
رحلت عيونها
 ذات صباح
والمطر رذاذ..
زرعتني عيونا للانتظار.
في الشرفة الشرقية
والبحر شاهد،
والشواطئ
تنام في ليل مع الشوق،
في شرفة الانتظار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها