النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11201 الإثنين 9 ديسمبر 2019 الموافق 12 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

لماذا لا نثق ببعضنا البعض؟

رابط مختصر
العدد 10828 السبت 1 ديسمبر 2018 الموافق 23 ربيع الأول 1440

من هو ماثيو هيدجز؟ لقد أثبتت دولة الإمارات العربية المتحدة أنه جاسوس بريطاني أقدم على ارتكاب أفعال كان من شأنها الإضرار بالأمن العسكري والاقتصادي والسياسي للدولة، وبثَّت فيديو يعترف فيه هيجدز نفسه بذلك. لكن الراوية البريطانية تقول إنه أكاديمي كان يجري أبحاثًا في الإمارات، والنتيجة هي أن محكمة إماراتية أدانته وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة، قبل أن يصدر عفوا رئاسيا عنه.
لكن لماذا يتكرر هذا النوع من القصص في كثير من الأحيان؟ يتم اتخاذ إجراء قانوني في دول مجلس التعاون الخليجي أو في مصر مثلا، فينتفض العالم الغربي غضبا، كما أننا كثيرا ما نرى السيناريو المعاكس، على سبيل المثال، شخص عربي أو مسلم يتعرض للهجوم أو إساءة المعاملة في أمريكا أو أوروبا، ما يثير رد فعل قوي غاضب أيضا من قبل وسائل الإعلام الخاصة بنا.
كانت هناك حوادث تعرض فيها مواطنون سعوديون أو إماراتيون للسرقة أو الاعتداء أثناء زياراتهم للخارج، وقد أتوصل بعقلانية إلى الاستنتاج بأن مثل هذه الحوادث قد تم تنفيذها من قبل أشخاص سيئين خارجين عن القانون، ربما بدافع العنصرية أو الحقد على الإسلام، أو ربما بدافع السرقة لا أكثر، ومع ذلك، فإن عددا من وسائل الإعلام لدينا تفسر دائماً تلك الحالات على أنها اعتداءات يرتكبها العالم الغربي بأكمله ضد أحد مواطنينا، ونبدأ بقراءة قصص حول غض الطرف من قبل الشرطة، وفشل الحكومات الغربية في حماية العرب والمسلمين، والحقد الذي زرعته وسائل الإعلام واليمين المتطرف في نفوس المواطنين هناك، وغير ذلك.
تجعل وسائل التواصل الاجتماعي مثل هذه الحوادث أسوأ بألف مرة، فحتى قبل أن يتم التعرف على الحقائق، يكون آلاف الأشخاص قد شاركوا في نسخ مختلفة من القصة، وجميعهم لديهم استنتاجات خاصة بهم حول ما تمثله مثل هذه الحوادث ومن يقع عليه اللوم.
المشكلة الأساسية هي عدم الثقة. يبدو الأمر وكأن جهاز الإعلام الغربي بأكمله يجلس في انتظار قصص مثل قصة هيدجز ليثبت كيف أن مثل هذا الحادث المعزول يشكل إدانة قاسية للأنظمة السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي، ونمط الحياة في دول مجلس التعاون الخليجي والقيم الإسلامية ككل، ومن ذلك أيضا قصص من قبيل: احتجاز سائح غربي لحيازته الكحول على رحلة طيران إماراتية؛ انتقاد زائرة أوروبية لارتدائها بشكل غير لائق في مركز تجاري بالرياض؛ منع رجل بريطاني من مغادرة البحرين بسبب الديون غير المسددة، وغير ذلك الكثير، يحدث ذلك في وقت يتم فيه اعتقال عشرات الآلاف من الأشخاص حول العالم للألف سبب مختلف، ولكن هذه المجموعة الصغيرة من الحوادث التي تحظى باهتمام عالمي ضخم.
لماذا يعاني العالم العربي والغرب من الكثير من المتاعب في الثقة ببعضهما البعض؟ جزء من المشكلة هو الخوف من أي شيء مختلف. هناك أشخاص في الغرب يجدون صعوبة في النظر إلى الأنظمة الحاكمة الملكية في دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها شكلاً شرعياً للحكم، وحتمًا تتم مقارنة هذه الأنظمة بالديمقراطية على النمط الغربي لتقييم مدى تقدم حكوماتنا، وهكذا، فعندما يُحتجز مواطن بريطاني في دولة خليجية بسبب سلوك غير لائق، لا تصبح القضية على الفور ما إذا كان هذا السلوك مهينًا ثقافيًا أو غير قانوني؛ ولكن يتم وضعه في سياق اتهام قاسٍ لنظام الحكم في تلك الدولة بأكمله من أسفل إلى أعلى، وتبدأ أحاديث من قبيل أن الشرطة غير كفؤة، وأن السلطات فاسدة، وأن القضاة قد تأثروا سياسياً، وما إلى هنالك.
عندما اندلعت الفوضى في البحرين في عام 2011، لم تبذل محاولات تذكر لتحليل الدوافع الحقيقية لأولئك الذين يقودون الفوضى، وبدلاً من ذلك، جرى تصوير تلك الفوضى من قبل الكثير من وسائل الإعلام الغربية كدليل على ضرورة إلغاء نظام الحكم بأكمله والبدء من الصفر؛ على الرغم من أن مثل هذه الصيغة ستكون بالتأكيد كارثية، فإما أن تؤدي إلى الفوضى، أو تسمح لإيران بالسيطرة تماما على الأوضاع.
يفخر الغرب نفسه بأنه متسامح، لكن هذا التسامح غالباً ما يمتد فقط إلى أولئك الذين يفكرون ويتصرفون بنفس الطريقة التي يتصرف بها هؤلاء الناس الذين يصفون أنفسهم بأنهم ليبراليون. حتى الليبراليون الذين يدّعون عدم التمسك بمواقف سلبية تجاه الإسلام يميلون إلى رؤية العالم العربي والإسلامي متخلف سياسياً، فيما نميل نحن في العالم العربي إلى النظر في حوادث منعزلة وتعميم ذلك على الاعتقاد بأن العالم الغربي بأكمله يكره المسلمين.
من السهل أن نرى كيف يحدث هذا عندما ندرك أن القضايا السلبية هي من تسيطر على الإعلام دائما، ومن ثم نعتقد بطبيعة الحال أن هناك حالات سلبية فقط. لا توجد قصص في الإعلام الغربي حول الإنجازات الخاصة بحقوق الإنسان مثلا في البحرين والإمارات والسعودية، بل يتم اجترار الصفات السلبية المعزولة، ومن ثم فإن الاستجابة البشرية الطبيعية تفترض أنه لا توجد سوى حالات سلبية.
لن نتعرف أبدًا على بعضنا البعض إذا قمنا فقط بنشر وقراءة قصص سلبية عن بعضنا البعض، وإذا فشلنا في بذل جهود حقيقية للتغلب على هذه السلبية وفهم الجوانب الإيجابية لثقافات بعضنا البعض.
لماذا نكافح لفهم بعضنا البعض؟ لأن طرقنا الأساسية للتعلم عن بعضنا البعض عن طريق وسائل الإعلام يتم تنظيمها بطريقة مصممة لتعزيز عدم الثقة وسوء الفهم.

 

 * رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسيفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا