النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10972 الأربعاء 24 أبريل 2019 الموافق 19 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

كتابة الضمير

رابط مختصر
العدد 10828 السبت 1 ديسمبر 2018 الموافق 23 ربيع الأول 1440

ارتبطت الكتابة في أذهاننا بالمعاني السامية فمن خلالها يعرض المفكرون والأدباء والكتاب أشكال الأنشطة الروحية للإنسان، وبها يسعون الى تطوير حياته. وتعرف الفلسفة - وهي ضرب من الكتابة الراقية - بأنها تنقيب عن نظام يأخذ البشر الى جنة السعادة، كما يقول آخرون أن أهداف الفلسفة هي القبض على الحقائق لأجل السيطرة عليها، وترويضها لخدمة الإنسان. ويعرف الأدب بأنه نوع من الكتابة التي تسعى الى تحقيق المجتمع المثالي. وبالكتابة مارس الإنسان نشاطه الفكري الذي بدأ بأسئلته الوجودية، وسعيه لمعرفة أسرار الحياة وفك رموزها.
ولا يخرج هدف الكتابة الصحفية عن ذلك، فهدفها خدمة المجتمع من أجل الإرتقاء به، فهي عمل نبيل في جوهره. وتمتلك الكتابة الصحفية ميزة الإنتشار والتأثير على الناس. ولولا الكتابة لما عرفنا تاريخنا ولا هويتنا، ولا استطعنا أن نضيف من عندنا الجديد للأجيال القادمة، ولما وصلت البشرية الى ما هي عليه الآن من تطور هو نتاج تراكم الخبرات البشرية في العلوم والفلسفة والهندسة والطب والمعارف المتنوعة، ولإختلفت حياتنا عما هي عليه الآن. وبالكتابة عرفنا الحضارات القديمة والجديدة، كما عرفنا كنوز الأدب الرائعة، وبها قرأنا المتنبي وأبا تمام ودانتي وأرسطو وإبن عربي وإبن رشد، وهوميروس، وقس على ذلك آلاف الأسماء وملايين الصفحات التي إكتنزت بها آلاف الكتب.
وإرتبطت الكتابة بالسمو والرفعة، ففي الكتب سطرت الأفكار الإنسانية الجليلة، والحكم الدالة على الخير والحكم والمعاني والأخلاق والجمال. فالكتابة طوال تاريخها لم تكن عبثا، أو وسيلة للمنفعة المادية والتجارة، بل كانت على النقيض من ذلك تماما، فالعلماء والأدباء والكتاب كانوا عبر العصور فقراء مالاً وأغنياء روحًا. ولم يكن أفلاطون أو إبن عربي أو فكتور هوجو أو طاغور أو تولستوي أو جلال الدين الرومي إلا مبدعي كتابة يستخدمها الإنسان لبناء حياته، دون أن يفكروا في منفعة مادية.
وفي عصورنا الحديثة لا يعيش معظم الكتاب من الكتابة بخاصة في العالم الثالث الذي ننتمي إليه، فأدباؤنا العرب يعيشون من مهن بسيطة في الوزارات والجامعات والصحافة، ورغم ذلك يتشبثون بالكتابة بجميع أنواعها تشبث الغريق بقطعة من الخشب، ويكتفون براتب بسيط لا يكفيهم للخروج من كفاف العيش وشضف الحياة. قبل أن تستوي الحياة على ما هي عليه الآن من تقدم وإزدهار، كانت هي أفكار ونظريات في الكتب، ثم أصبحت فعلا وحقيقة وإنجازات تعبر عن عبقرية الإنسان الذي امتلك دون سائر المخلوقات، ملكة العقل والتفكير والتأمل والمقارنة، وقدرة الابتكار والخلق.
الكتاب والعلماء والعباقرة سطروا فتوحاتهم العلمية والفكرية في بطون الكتب أولا وكان كل الذي يشغلهم، هو إسعاد البشر. وماذا كان يريد أفلاطون وهو يؤلف كتاب (الجمهورية)، وبماذا فكر جان جاك روسو وهو يكتب (العقد الإجتماعي)، وما الذي دفع الفارابي ليحدد ملامح مدينته الفاضلة، وماذا كان يريده نجيب محفوظ ولوركا وبابلو نيرودا وماركيز ورينيه ديكارت، وبرخت وسارتر وآلاف الأسماء المضيئة التي خلدتها الكتابة ومنحتها اعتبارها ومكانتها التي تستحق.
لكن لكل قاعدة شواذ، وشذوذ الكتابة يبدأ عندما تصبح وسيلة للمنفعة الشخصية والمنفعة المادية، عندها تتحول الكتابة الى بضاعة يتاجر بها الكاتب الذي يهبط بها الى الحضيض، وتنتقل من السمو والرفعة والأخلاق إلى وسيلة للكسب والإنتفاع والتبذل، والنفاق وبيع الضمير والأنانية، وتفضيل المنفعة الشخصية. على المنفعة العامة، هذا النوع من الكتابة متوفر في كل العصور، لكنه يتضاعف الآن لإهتمام الدول بنشر أفكارها، وتبرير سلوكها، والحفاظ على مكاسبها، وإن بالكذب والخداع والتمويه وتشويه الحقائق، وفي هذه الحالات لا تسعى الكتابة الى بناء المجتمعات وخدمة الإنسان بل يصبح دورها هداما، وغير إنساني ومبتذلا لا يليق بالكتابة ولا الكاتب ولا القارئ.
وتنتشر مثل هذه الكتابات في بعض الصحف العربية والدول المتخلفة، حيث تجد لها المناخ المناسب الذي تفرخ فيه وتبيض، مستعينة بالجهل المتفشي في المجتمع. هكذا تصبح الكتابة وسيلة للإضرار بالبشر وخداعهم وترويضهم وتزييف وعيهم. في هذه الكتابة الإعلامية تستخدم الأنظمة والدول أدواتها وكتابها لتكريس الأخطاء والنواقص، وتبرير أفعالها ونواياها السيئة. والأنظمة والدول الفاسدة هي الأكثر ممارسة واستفادة من هذه التجارة المزدهرة، وليس علينا لاكتشاف ذلك إلا تصفح الجرائد العربية، وسندهش من هذا الكم الهائل من التلفيق والتمويه وتزييف الحقائق والعبث بعقول الناس. وفي ذلك يتحول الكتاب الى باعة وسماسرة يعملون لمن يدفع أكثر، وهم على استعداد للتلون والتغير والتحول، الى حيث تتحول ريح المصلحة والمنفعة، وتصبح الكتابة - هنا - أكاذيب ورياء ونفاقا وتبذلا وتبدلا، فإذا كان النظام دكتاتوريا ذم هؤلاء الكتاب الديمقراطية وعددوا عيوبها، فإن تحول النظام الى الديمقراطية تمادوا في مدح الديمقراطية وكشف محاسنها. وهؤلاء الباعة المتجولون بارعون في إختيار المواضيع التي يكسبون بها رضى الدول والأنظمة والرؤساء، وأصحاب النفوذ، وهم يتفننون في عرض أفكارهم لتبدو كالحق الذي يراد به باطل.
وهكذا تمارس الكتابة - في هذه الحالات الشاذة - دورًا تخريبيًا في المجتمع، بدل أن يكون هذا الدور بناءً يرقى بالمجتمع ويدفعه الى الأمام، هذا الرقي الذي لا يتحصل إلا بالنقد وكشف العيوب وتوضيح النواقص والسلبيات وهو ما تفعله الصحافة الهادفة.
حين نلتفت الى تواريخ العالم سنجد أن الأمم العظيمة لا تنهض إلا بالنقد وكشف العيوب، والصراحة في الرأي، والمكاشفة، وحرية إبداء الرأي وذكر الحقيقة وإن كان ثمنها غاليا، وكل هذه الأمور لا تتأتي إلا من الكتاب أصحاب الضمير، الذين تؤرقهم حياة الناس، كما تعنيهم المصلحة العامة. ولو إلتفتنا الى الحضارات الحديثة المتقدمة سنلاحظ أن صوت النفاق والدجل والإسفاف فيها قليل وهادئ، فيما يرتفع هذا الصوت ويجلجل ويطفح على السطح حتى يصيبنا بالغثيان في مجتمعاتنا العربية. ورحم الله المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي كان يعتقد أن الكاتب النزيه هو الذي يحتكم دائمًا الى ضميره، ولا يتبع أي سلطة أخرى، بما فيها سلطة الدول أو سلطة المال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها