النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

أخلاق السياسة وأخلاق الإعلام

إذاعة «توبكارتو».. وانتخابات البحرين

رابط مختصر
العدد 10825 الأربعاء 28 نوفمبر 2018 الموافق 20 ربيع الأول 1440

تلعثم مذيع محطة «توبوكارتو»* الدولية وهو يقرأ خبر الانتخابات البرلمانية والبلدية التي شهدتها مملكة البحرين في 24 نوفمبر 2018م، ضمن نشرة أخبار السادسة والنصف صباحاً، وكأنه لا يعي بالضبط ماذا يقول:
- انتهت الانتخابات البرلمانية والبلدية في البحرين البارحة.
- تلك الانتخابات دعت المعارضة إلى مقاطعتها.
- تلك الانتخابات قال عنها النائب المعارض السابق فلان الفلاني (بالصوت) أنها (فاشلة)!. (انتهى الخبر عند هذا الحد).
تلك خلاصة ما ورد في الخبر المشار إليه في إذاعة «توبوكارنو»، ولكن: كيف جرت تلك الانتخابات؟ وما الأجواء التي جرت فيها؟ مستوى الإقبال عليها ونسبة المشاركة فيها مقارنة بالدورات السابقة؟ وأعداد المترشحين والمترشحات مقارنة بالدورة السابقة؟.... فإن محرر النشرة الإخبارية لم يأبه بها مطلقاً، لأنها من الواضح غير مهمة بالنسبة إليه، فالمعيار الوحيد على ما يبدو هو (ما قالته المعارضة حول هذه الانتخابات فقط).
وبغض النظر عن هذا التفصيل الصغير-والذي تعودنا على أمثاله في مناسبات عديدة سابقة-، فإن دلالته واضحة بالنسبة لمن يدعي المهنية (والتي من أبسط تجلياتها عرض الرأي والرأي الآخر على الأقل)، هذا الانحياز الواضح وهذه العدائية المبيتة وغير المفهومة. مع أن الأمر لا يتعلق بنشرة صادرة عن حزب سياسي أو تجمع معاد، أو عن جماعة منشقة، وإنما عن قناة إخبارية دولية تحترم نفسها. (هكذا تقدم نفسها على الأقل).
فمهما اختلفنا حول هذه الانتخابات وحول تقييمنا للتجربة الديمقراطية في البحرين (وهو اختلاف مشروع بالمعايير السياسية)، فإن المعيار في الإعلام هو صحة معلومة واكتمال الصورة، أي أن نكون أقرب ما نكون إلى الحقيقة (مهما كان موقفنا منها). ولكن من الواضح أن هذا الأمر قد اختلف في أخبار إذاعة توبيكارتو الدولية، كما في مرات عديدة سابقة. أما عن سبب هذا الانحراف عن مقتضيات المهنية الإعلامية، فسؤال مطروح على الذي يرسم السياسة التحريرية في هذه الإذاعة المحترمة.
أنه لا أخلاق في السياسة -فإنه لا سياسة بدون أخلاق من وجهة نظري، إلا سياسة الحشاشين وقطاع الطرق وباعة الأفيون، الأخلاق التي نقصدها، هي سياج القيم التي تشمل الصدق في القول والإخلاص في العمل، ورفض السب والشتم والتعيير والتهديد والوعيد والحط من قيمة الناس والطوائف
سيد الصورة.. سيد العالم
أصبحت الحروب تشاهد على الهواء مباشرة، تماماً مثل مباريات كرة القدم. وأصبحت المؤتمرات والندوات وجلسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الحاسمة تشاهد على الهواء... وكذلك الانتخابات والمظاهرات والاضرابات والاضطرابات...
وفي عالم هكذا حاله، ماذا يبقى للصحافة المكتوبة...؟ وأي مكان لها في عصر الفضائيات وهيمنة التلفزيون وإعلام الصورة وثقافة الصورة، وسلطة الصورة؟.
إن الصحافة المكتوبة وحتى نهاية سبعينيات القرن الماضي كانت تقوم بعدد من الوظائف: الخير والتحليل والتحقيق، والتعليم. التسلية والأدب... وكانت المصدر الرئيسي للأخبار والثقافة والخدمات المختلفة، وكان دورها مهما في تشكيل وعي الناس وأفكارهم وتوجهاتهم وحتى ثقافتهم.
وعلى المستوى العربي، شكلت الصحافة في تلك الفترة مصدراً أساسياً للفكر والأدب والجدل السياسي وتشكيل الوعي المعرفي والوطني والقومي، إلا أن المشكلة الأساسية التي واجهت الصحافة آنذاك أنها كانت تقتضي متلقيا متعلماً ومستعدا للقراءة، وهو ما لم يكن موجوداً بالشكل الكافي.
لكن حدث التحول في نهاية القرن العشرين، حيث شهد العالم ثورة إعلامية ومعرفية وتقنية واتصالية هائلة، لسنا في حاجة هنا إلى تحليل جميع مكوناتها ولكن بإمكاننا رصد أهم ملامحها:
- سيطرة إعلام الصورة واتساع نطاقه كماً وكيفاً حتى أصبحت نتحدث عن القرية الإلكترونية وعن المدينة الالكترونية.
- اتساع نطاق البث الفضائي التلفزيوني المباشر واستمراره 24 في اليوم.
- ضخامة تدفق المعلومات والأخبار وانتهاء عصر الرقابة والتحكم المباشر على المادة الإعلامية.
- احتكار الدول المتقدمة لتكنولوجيا الاتصال والإعلام وأهم مكوناته، فسوق المعلومات تكاد تكون محتكرة من قبل 4 وكالات عالمية، هي أسوشيتديرس ويونايتدبرس (الولايات المتحدة)، رويتر (بريطانيا) فرانس برس (فرنسا)، وتشترك في هذه الوكالات جميع إذاعات وشبكات التلفزيون وصحف العالم، ويتدفق 65% من المعلومات العالمية من الولايات المتحدة وحدها.
- تحول الصورة إلى مرجعية أولى وأخيرة، لا يقاس على سواها، الأمر الذي جعل المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه يقول: «إن سيد الصورة هو سيد العالم» «لأن الصورة توهم المشاهد أنها هي الواقع، والمذهل في تدفق الصور هو قدرتها الفائقة على تعطيل الحواس الأخرى وتحفيز الغريزة والمتعة، لأن تلقيها لا يتطلب جهداً أو تركيزاً على خلاف ثقافة «النص» التي تتطلب منهما تحليلاً وتركيباً وثقافة في النهاية. ومع التدفق الهائل للصور والرموز على قنوات البث يقع الإعلام الوطني في مأزق، فمع نقص وندرة الصور المنتجة محلياً أو إقليمياً، يضطر هذا الإعلام لتغطية ساعات البث الطويلة، وتعد قنوات البث لاستيراد المادة المعدة في الخارج.
ويتوقع الباحث بالمعهد الفرنسي للصحافة الدكتور جان برتران: أنه خلال الربع الأول من القرن الحالي سوف تختفي الصحافة اليومية بالمعني المتداول منذ القرن 19، حيث سيصبح الانترنيت قادرا على تزويد الناس في كل مكان في العالم، بما يريدون من أخبار وتحليلات سياسية ومعلومات علمية وتسلية وخدمات مختلفة وإعلانات مبوبة وغيرها. وأن المسألة مسألة وقت لا غير!!

 همس
بعض الذين نختلف معهم في الموقف والتحليل والتوصيف، وننتقد تقلبات مواقفهم، يردون علينا صراحة أنه لا أخلاق في السياسة. فنقول لهم إنه لا سياسة بدون أخلاق، إلا سياسة الحشاشين وقطاع الطرق وباعة الأفيون. والأخلاق التي نقصدها هي سياج القيم التي تشمل الصدق في القول والإخلاص في العمل، ورفض السب والشتم والتعيير والتهديد والوعيد والحط من قيمة الناس والطوائف. قد تكون اللغة التي نكتب بها «مؤدبة» تراعي مقتضى الحال ولا تتهور ولا تعتمد السباب والتسقيط واللعان مثلما تفعلون، ولكنها توصل الرسالة الهادئة التي تخدم هدف التقدم على طريق الديمقراطية والحرية والمساواة ولكن ضمن أفق وطني وإنساني خال من الحقد والسادية السياسية.
ـ اسم إذاعة متخيلة (لكن الخبر حقيقي)..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها