النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11198 الجمعة 6 ديسمبر 2019 الموافق 9 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

اتجاه معاكس للعنف الأُسَري

رابط مختصر
العدد 10823 الإثنين 26 نوفمبر 2018 الموافق 18 ربيع الأول 1440

 في أجواء المؤتمر الإقليمي الذي نظمته جمعية المرأة البحرينية يومي 28 و29 أكتوبر جرت نقاشات بعد كل ورقة ؛ والآراء التي تناولتها النقاشات كانت في مجملها داعمة ومكملة للأوراق في المؤتمر، وبعض الآراء كانت إضافات في الفكر والمعلومة، ولكن، ولغرابة الأمر، فقد انحشر رأي شاذ في المؤتمر لم يكن منسجماً مع روح المؤتمر الذي حمل شعار «المرأة في المجال التشريعي... تجارب وآفاق»، والذي كان يهدف إلى كشف المستور والستار عن التحديات والصعوبات التي تلغم الطريق بين المرأة والبرلمان، وتلقي الأضواء على بعض من الإنجازات التي تحققت للمرأة من خلال نضالها وتحديها باختراق الألغام التي زرعتها ثقافة الإرث الذكوري، وهوسُ جلفِ الذكرِ العبثَ برقةِ المرأةِ.
 المؤتمر كان مخصصاً لتناول جانب واحد في الحياة، وهو الجانب السياسي، وهذا الجانب هو جزء من ذاك الكل والكم حيث تمتد السلطة الذكورية على شخصية المرأة وكيانها الإنساني، والسطوة الذكورية ضد حقوق المرأة وكرامتها، وكأنها لا شيئ في المجتمع سوى أداة متعة للرجل وأداة إنجاب وخادمة في البيت، لا يحق لها حتى فتح نافذة في البيت إلاّ بأمر بعلها الفحل القادر المتمكن والذي تتجلى قدسيته على زوجته ( شريكة حياته) بعد جلال قدسية الله عليهما ؛ ولكن النقاشات تشعبت لتخرج عن الإطار السياسي الضيق، البرلماني تحديداً، إلى دائرة العنف ضد المرأة في إطار العنف الأسري ؛ وتعريف العنف الأسري في شرقنا العربي الإسلامي غير التعريف في الغرب العلماني. التعريف العام يكشف عن عنف ضد الأبناء وضد الزوجات، مع تفاوت في النسبة بينهما بين الغرب والشرق العربي ؛ ففي المجتمعات الأوروبية يكون العنف الأسري، بوجه عام، أقل بكثير منه في شرقنا العربي، وذلك بفضل التطور التاريخي في مجالات الفكر الإنساني والتطور الاقتصادي الذي امتد إلى المجتمع والأسرة، إضافة إلى الجانب التشريعي الذي يُحَرِّمُ ويُجَرِّمُ أي شكل من أشكال العنف في الأسرة والمجتمع ضد الطفل وضد المرأة ؛ فأي عنف ضد الطفل أو ضد المرأة يتصدى له القانون بأشد العقوبات، وهذا العقاب القانوني يردع الجاهل المتهور، بينما الانسان الواعي والذي يحترم ويقدر مبدأ المساواة بين الذكر والأنثى ويتحمل أعباء المسئولية والرعاية حفظاً لسلامة الأبناء وصوناً لكرامتهم فإنه قد تخطى الخط من الجهل إلى الوعي ومن التعنيف إلى الرعاية والمودة الصادقة ؛ فالقانون لا يعنيه، لأنه يلتزم ذاتياً بقانون الضمير الحي الواعي. العقاب القانوني هو شكل من أشكال العنف الشرعي المضاد للعنف والذي يهدف إلى محو العنف بجميع أشكاله، ويستهدف أولئك الذين مازالت عقولهم تعيش في كهوف الماضي وقلوبهم أصَمُّ من الحجر ؛ وقسوة القلوب هي النتاج الطبيعي لجهل العقول.
رغم أن التعريف العام للعنف الأسري، على المستوى العالمي، يحدد فعل العنف ضد الأضعف في الأسرة، وهما الزوجة والأبناء، وأن هذا العنف ضد الزوجة وضد الأبناء هو المقصود أساساً وهو السائد، إلاّ أن رأياً شاذاً اخترق جملة النقاشات، المتناغمة والداعمة لقضية المرأة، لتعبر عن رأي منكر وهو عنف الزوجة ضد الزوج، وكيف أن هناك حالات يتعرض فيها الزوج للعنف والتعنيف والأذى من قبل الزوجة ؛ نعم هذا صحيح، فالعنف يولد العنف، فعندما يطفح الكيل قد تتجاسر الغزالة على الأسد، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الحالة التي ينقلب فيها ميزان العنف، عنف الزوجة ضد الزوج، هي حالات فردية شاذة بالكاد يمكن تقييمها واقعياً وتسجيلها إحصائياً ؛ فهذه الحالات تندرج في علم الرياضيات إلى مفهوم «قرابة الصفر» لندرة العدد ( الحالات)؛ فحالة واحدة بين مليون حالة هي أقرب إلى الصفر نتيجة للعدد الكسري أو العشري التافه الذي لا وزن له ولا قيمة تذكر. وطرح هذا الرأي الشاذ هو بمثابة تلطيف لعنف الزوج ضد الزوجة، واعتبار الأمر متبادلاً بينهما، وهكذا تتساوى معادلة العنف بينهما، وتكون المحصلة عدم وجود قضية ؛ محصلة صفرية لا تستدعي النظر ولا البحث، ولا العمل على تصحيح الخلل في العلاقة الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية بين دفتي حياة الانسان، الرجل والمرأة. رأي شاذ في مجمله يحول قضية العنف الأسري عن مسارها النضالي ويفرغها من مضمونها الواقعي.
لكن، واللاكن في حالتنا الشاذة هذه كبير وثقيل، هذا الرأي المنكر الشاذ لم يأت من فراغ، خاصة وأنه قد خرج على لسان إمرأة تتمتع بتحصيل أكاديمي عالي المستوى، وتتبوب مكانة مؤسساتية ووظيفية مرموقة وفاعلة؛ فالرأي شاذ من جميع جوانبه، فلا بد أن يكون هناك رافد قوي متجذر في المجتمع وفي نفسيته السلوكية أجاز (شرعن) لهذا الرأي المعاكس لأهداف المؤتمر والمضاد لحقوق المرأة ولحقوق صاحبة الرأي ذاتها من أن يجد له مكاناً، ولو برأي عابر، في المؤتمر. إن من أبشع وأقسى حالات الاندحار والإنحدار والانصياع هو أن يعاكس المرء مسار النضال من أجل حقوقه، حيث يدوس على حقوقه ومن ثم على كرامته بملء إرادته، وهذا هو نمط من الانتحار يستهدف إطفاء النور في الضمير الإنساني ومن ثم قتله...
إن الانسان، رجل او امرأة، عندما يؤمن إيمان اليقين ويقبل طوعاً بأن الظلم الواقع عليه هو قدره الذي لا يجب التمرد عليه ولا يمكن تغييره، فإن هذا الانسان يعيش حالة من الانتحار الدائم وحياته قبر مظلم...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا