النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10908 الثلاثاء 19 فبراير 2019 الموافق 14 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:07AM
  • المغرب
    5:33AM
  • العشاء
    7:03AM

كتاب الايام

عودة طه حسين

رابط مختصر
العدد 10821 السبت 24 نوفمبر 2018 الموافق 16 ربيع الأول 1440

عدة مقالات عن طه حسين قرأتها في الأسابيع الأخيرة في دوريات وصحف عربية مختلفة، لكتاب من أقطار عربية متعددة، آخر هذه المقالات نشر في جريدة الشرق الأوسط للكاتبة سوسن الأبطح تحت عنوان (تحية الى سارق النار) نشر بتاريخ 31/‏ 10/‏ 2018 وإثرها تساءلت لماذا هذه العودة لعبد الناصر والآن طه حسين وقبلهما رواد النهضة العربية الحديثة (رفاعة الطهطاوي وعبدالرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني ومحمدعبده)، ما الذي يجمع كل هؤلاء؟ هل هي بدايات صحوة جديدة؟ تقول الكاتبة سوسن الأبطح في مقالها عن طه حسين: (هو الوطني المخلص، حين ضاق به الحال في مصر والإتهامات تطارده، والمحاكم تستدعيه، رفض الذهاب للعمل الى أمريكا كما عرض عليه المستشرق ماسينيون. كان يعرف أن له دورا في بلده عليه أن يؤديه)، هذا الدور هو القاسم المشترك بين رواد النهضة العرب، وإن جاؤا في أزمنة مختلفة.
ترى ما دور هذا الرائد الكفيف الذي تقوده زوجته الفرنسية سوزان بريسو في شوارع باريس والقاهرة؟ وما هذه القوة التي تدفعه للصمود أمام العواصف التي واجهته في حياته، فحرمته من الاستقرار والراحة؟ إنه الحب لبلده وقومه والنزوع الإنساني الذي أوصله الى جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في العام 1973. حرم طه حسين من البصر لكنه كان صاحب عقل متوقد وبصيرة استثنائية. ولم يلقب طه حسين بعميد الأدب العربي جزافا، فقد أبلى بلاء مميزا في الأدب فكتب الرواية والقصة والنقد الأدبي، ولم يقتصر على العطاء الأدبي، فتجاوزه الى العطاء الفكري، ثم كان وزيرا للتعليم في العام 1950 فطبق مبدأه الأثير (التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن) وأعلن مجانية التعليم فكان استثنائيا في عمله أيضا.
أثار طه حسين زوابع كثيرة بعد عودته الدراسية من باريس عاصمة الثقافة، وحرك مياها راكدة وآسنة من حوله. جاء من باريس محملا بكنوز الفكر الغربي، حين بعثته الجامعة لتعزيز شهادة الدكتوراه التي نالها في مصر. بالمقارنة لاحظ طه حسين الفرق الكبير بين الجامعات في فرنسا وفي بلاده، فأشعل معارك فكرية واسعة حول التجديد والتقليد، مبينا الفروقات الهائلة بين الفكر الغربي والعربي، ودعا ضمنا الى تغييرالمناهج التعليمية، وهاجم الدراسة في الأزهر فتصدى له مشايخه ثم وضع كتابا عن المعري فأوصله مشايخ الأزهر الى ردهات المحاكم، واتهموه بالانجراف وراء الأفكار الغربية المضللة.
والمتتبع لتاريخ طه حسين يعجب لهذا الجلد الذي صاحبه طوال حياته، التي خاض فيها معارك فكرية متعددة نوعا، وممتدة زمنا. كان طه حسين شديد الإعجاب بالمعري الذي كان يشبهه في أمور كثيرة منها العاهة الجسدية وموهبة الأدب والنزعة العقلية والجرأة والبسالة وتحدي العاهة والتفوق على أقرانه من أدباء زمانه. وقد اشتركا معا في تمجيد العقل، كما اشتركا في شجاعة الرأي.
نادى طه حسين بتجديد الفكر العربي ليواكب العصر (لكي نكون أندادا للغرب وشركاء له في الحضارة). في فرنسا درس طه حسين في جامعات مونبلييه وباريس، الفكر اليوناني والروماني والفلسفة واللغة الفرنسية واللاتينية. وكان لا يعبأ بالهياج الذي أثارته أفكاره ودعوته، تلك التي حرمته من الوظيفة وأوصلته للمحاكم وعرضته للسخط والغضب من التيارات المتشددة. كان يقول ما مضمونه (يكفيني كسب فئة قليلة مستنيرة تبني لنا المستقبل). جاء طه حسين الى مصر برفقة زوجته الفرنسية سوزان بريسو التي أحبها كثيرا، جاء بثقافته الفرنسية وهو يحمل منهج الشك الذي أسس للحضارة الغربية الحديثة، لصاحبه الفيلسوف رينيه ديكارت الذي كان لا يعتقد بمسلمات ثابته أبدية.
أعلن طه حسين أن لا شئ غير قابل للنقد والبحث والمداولة وإعادة التفكير بميزان العقل الدقيق والصارم. نادى طه حسين أيضا بالشك الذي يكثر الأسئلة ولا يستكين للأجوبة. وألف كتابا في الشعر الجاهلي على المنهج الديكارتي، فعصف بالسفينة المتوقفة في الماء الضحل. قال في هذا الكتاب ما يثير ويستفز ويقارن، ويغير ويجدد ويضيف. ربما أخطأ طه حسين في بعض الجوانب، لكنه أصاب في جوانب أخرى. ثم ألف كتابا في (مستقبل الثقافة في مصر) فظل هذا الكتاب قيد المناقشة والبحث والحوار حتى يومنا هذا.
ولم يخفت صوت هذا الناقد والأديب والمفكر الكفيف البصر المتوقد البصيرة فجاء بما لم يأت به المبصرون. كتب طه حسين كتاب (الأيام) وهو سيرة ذاتية صنفها البعض كرواية، وكما يعتقد نقاد الأدب فالرواية هي في الغالب سيرة ذاتية للكاتب.
حظي طه حسين برعاية تامة من زوجته الفرنسية سوزان بريسو التي قال عنها: (منذ أن سمعت صوتها لم أعرف الألم). قال عباس محمود العقاد عن طه حسين أنه (رجل جرئ العقل مفطور على المناجزة والتحدي فاستطاع بذلك نقل الحراك الثقافي بين القديم والحديث من دائرته الضيقة التي كان عليها الى مستوى أوسع وأرحب بكثير) وعندما توفى هذا الرجل العظيم نعاه الشاعر نزار قباني، في قصيدة قال فيها: أرم نظارتيك ما أنت أعمى/‏ إنما نحن جوقة العميان/‏ أيها الأزهري يا سارق النار/‏ ويا كاسر حدود الثواني/‏ عد إلينا فعصرك عصر/‏ ذهبي ونحن عصر ثاني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها