النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

التسامح نهج العظماء

رابط مختصر
العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440

   لا أكاد أبالغ إذا قلت إنّ ألطف وأجمل وأرقّ وأعذب... كلمة سمعتها وتعلّمتها من اللهجة البحرينيّة هي «امْسَامَحَه» عند البعض، أو «سموحه» عند البعض الآخر. ولا أبالغ أيضاً إذا قلت إنّي لم أستغرب هذه الكلمة السحريّة إذ هي تنتشر في المخاطبات اليوميّة والاعتذارات أو الطلب المؤدب كالسحر الجميل، فالشيء من مأتاه لا يستغرب، إذ التسامح والتعايش والانفتاح على الآخر المختلف عرقياً وثقافياً ودينياً ومذهبيًّا سمةٌ أصيلةٌ في المجتمع البحريني، لا بحكم موقعه الجغرافي وامتداده التاريخيّ فقط، وإنّما لفهم أصيل لجوهر الإسلام بما هو دين التسامح والإخاء، وبفضل نهج سياسيّ حكيم تجلّى في توجيهات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، القائل إنّ «راية البحرين ستبقى عربية مسلمة خفّاقة نهجها التسامح والتعايش بين الجميع».
إضافة إلى تشبّع عميق لدى أهل البحرين بالقيم الإنسانيّة الكونيّة التي نادت بها ودعت إلى إحيائها منظمة الأمم المتحدة، من ذلك الدعوة إلى الاحتفاء باليوم الدوليّ للتسامح الموافق لـ16 من نوفمبر الماضي، فلقد تداعت العديد من الجمعيات الأهلية في البحرين منذ أيام قليلة إلى إحياء هذا اليوم وكأنها تستجيب تلقائياً إلى قيمة أصيلة في المجتمع وجدت لها مناسبةً في أجندة الأيام الدولية حتى تعبّر بشكل أو بآخر عن مكنونٍ في صدور المواطنين.
ويأتي اليوم الدوليّ للتسامح في سياق إحياء الأمم المتحدة لقيم إنسانية تشعر بالحاجة الكونية إليها، ولا يختلف اثنان في الحاجة القصوى للتسامح والسلام، إذ لم تكتفِ الجمعية العامة ببادرتها الأولى حين أعلنت سنة 1993 بأن يكون العام 1995 سنة الأمم المتحدة للتسامح (القرار 48/‏126)، وإنّما دعت بناءً على مبادرة من المؤتمر العام لليونسكو في 16 نوفمبر 1995، ونظراً إلى الحاجة القصوى، إلى الاحتفال باليوم الدولي للتسامح في 16 من نوفمبر من كل سنة، من خلال القيام بأنشطة ملائمة توجّه نحو كل من المؤسسات التعليمية وعامة الجمهور. واعتمدت الدول الأعضاء إعلان المبادئ المتعلقة بالتسامح.
ولقد حثّ الإسلام على التسامح بمعنى الحِلم والصفح، ودعا إلى عدم التحامل على الآخر وشجّع على نسيان الماضي من خلال البدء بالسلام سواءً اعتذر المخطئ أم لم يعتذر، وهو ما يعزّز الارتباط الوثيق بين التسامح والسلام. لكن ليس من التسامح أن يعتذر المخطئ ولا ينسى! ذلك أنّ التسامح يعني نسيان الماضي وفتح صفحة جديدة من أجل استمرار الحياة. ولا يعني التسامح أيضاً مجرّد التناسي، فإذا ما طفت على السطح مجرد أخطاء فرديّة طائشة من هنا أو هناك، عادت الذاكرة إلى الماضي الذي لم تستطع التخلّص منه ونسيانه وهدّدت التلاحم في كيان المجتمع وزعزعت استقراره... ذلك هو التناسي وهو لا يخدم البتة قيم التعايش وجوهر التسامح.
ولا مانع من التذكير بالقصّة الشهيرة؛ قصّة الرجل يعلّمنا كيف ننسى، الرجل الذي تألّم من صفعة صديقه في السفر فكتب على الرمل «اليوم أعزّ أصدقائي ضربني على وجهي»، بينما حين أنقذه من الغرق في الرمال المتحركة كتب على الصخر «اليوم أعز أصدقائي أنقذ حياتي»، فإذا ما هبّت ريح ذهب ما كتب على الرمل وبقي ما نحت على الصخر. إنّ التسامح هو أقوى أساس للسلام والمصالحة، وهو لا يكون إلا من ذوي النفوس القوية. نفوس تؤمن بأن الاعتذار قيمة لا تحط من شأن المعتذر بل ترفع من قيمته وتزيد من علوّ شأنه.
إنّ العالم اليوم – أكثر من أيّ وقت مضى - في حاجة إلى جرعات مضاعفة من التسامح، ولا يكون ذلك إلاّ بفضل تضافر جهود الجميع؛ لأنه لا توجد حلول فردية لهذه التحديات المتعددة الأوجه والمترابطة، فنحن شركاء في مصير واحد. ومن هنا يكتسب التسامح أهمية كبيرة.
ومن أجل تكريس قيم التسامح والتعايش والسلام، لا ينبغي أن تكون قيم التسامح والمواطنة والتعايش مصفوفةً من المعلومات تلقّن تلقيناً نظرياً في الصفوف وتكتب في الدفاتر وتنتهي بانتهاء الامتحان في المدارس، ولا أن تكون في شكل خطب منبرية، أو محاضرات في صالونات ثقافية... وإنما يُفترض أن تكون حزمةً من الخبرات والكفايات التي يواجه بها المتعلم والمواطن مواقف الحياة اليومية، بالممارسة في مختلف الفضاءات؛ في المدرسة وفي الشارع، وفي الحدائق والمجمعات، والطرقات...
كما يمكن أن تلعب وسائل الإعلام بكل أنواعها دوراً رائداً في نشر ثقافة السلام بتخصيص مساحات ثابتة لتكريس قيم التسامح في الأذهان وإقناع الناس بها قولاً وفعلاً، من خلال الحوارات والتحقيقات والمقالات وقصص النجاح وغيرها؛ ذلك أن دور وسائل الإعلام عظيم، لذلك ندعو أولئك الذين يملكون التأثير عن طريق وسائط الإعلام التقليدية والاجتماعية، إلى حثّ الناس على اعتناق التسامح من حيث كونه رابطاً يوحّدنا معاً في رحلتنا المشتركة نحو مستقبل مستدام يسوده السلام.
إنّه لمّا كان التنوّع والاختلاف أمراً ملازماً للوجود الإنساني وسنة كونيّة لا مناص عنها، فإنّه لابدّ من ترسيخ قيم التسامح والتعايش كي تمخر سفينة البشريّة عباب البحر وترسو بسلام على شواطئه الآمنة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها