النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

من أجل تعزيز الحوارات المفتوحة

الطائر الذي يغني وجناحه يرد عليه!!

رابط مختصر
العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440

قلت لصاحبي: سؤال يلح علي في أكثر من مناسبة: لماذا تعج البرامج الرياضية التلفزيونية بالحوارات المفتوحة، وبالنقاشات الحية وبالصراحة الكاملة، في حين لا نجد مثل هذه الحوارات الحية والمفتوحة والصريحة في المجالات السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية على وجه الخصوص؟
قال: الأمر يتعلق في الغالب الأعم بنوعية الموضوع بكل تأكيد، لأن الشأن الرياضي لا يقلق أحدًا ولا يثير أحدًا، ولا يمكن أن يخرج عن الحدود المرسومة، ولذلك فمساحة الحرية فيه بلا حدود تقريبًا. ومن هنا نلاحظ أن أنجح البرامج تكاد تكون هي البرامج الحوارية الرياضية في العديد من الفضائيات العربية.
قلت: هنالك اليوم نقد متكرر للفضاء الإعلامي البصري ككل، يتمثل في نقص البرامج الحوارية المباشرة والحية في المجالين الاقتصادي والسياسي، واقتصار مثل هذه الحوارات على المجال الرياضي والاجتماعي وبعض القضايا المتفرقة مثل الصحة والتجميل والسياحة والترفيه وغيرها. والحوارات التي نقصدها هنا لا تتعلق فقط بطبيعة المضمون ومدى جديته وحساسيته فحسب، بل يتعلق ايضا بالمنهجية، إذ لا يمكن تنظيم حوارات في اتجاه واحد، من نوع (الطائر الذي يغني وجناحه يرد عليه) كما في الاساطير القديمة، بل من المهم أن يحتضن أي حوار جاد ومفيد الآراء والأفكار المختلفة، طالما أنها تحترم الضوابط القانونية والاخلاقية وتتحرك في سياق سلمي بعيدا عن التحريض والكذب والفبركة.
قال: أتفق معك في هذا الجانب، إلا أن مثل هذه الملاحظة لا يجب أن تنفي ما شهده الفضاء الإعلامي السمعي البصري من تقدم وتحسن، بالرغم من الإشكاليات التي واجهتها في البرامج الحوارية تحديدا، كامتناع البعض عن حضور مثل هذه البرامج الحوارية، وبالتالي لا يمكن توجيه اللوم للتلفزيون الذي عليه ان ينظم حواراته في ضوء ما هو متاح، ولا يستطيع ان يفرض على الناس المشاركة.
قلت: البعض قد يبرر هذا الأحجام عن المشاركة، فأصحاب الرأي المخالف إذا ما شاركوا في أي حوار يتعرضون لهجوم من الانتقادات ولا يعطون الوقت الكافي لعرض أفكارهم بالشكل الصحيح، وهذا ما يجعلهم يفضلون عدم المشاركة في أي حوار غير متكافئ.
قال الصديق: هذا ادعاء لا يستقيم مع واقع الحال، خاصة في السنوات القليلة الماضية، فقد شاهدنا عددا من أصحاب الرأي الآخر يتحدثون في التلفزيون بكل حرية ويأخذون الوقت اللازم للتعبير عن آرائهم، ولكن يجب ان نعترف في ذات الوقت أن الأزمة السياسية قد ألقت بظلالها على كل شيء بما في ذلك الإعلام، ومن الطبيعي أن المشهد الإعلامي الرسمي يمكن ان يكون أفضل ويمكن ان يتطور بسرعة أكبر، إذا ما توافرت له إمكانيات أكبر ومساحة أفضل. فالجدل الفكري والسياسي ومنطق السبق عناصر تقنية في الرسالة الإعلامية وأن ما نتوفر عليه من نخب في مجال الإعلام والسياسة والمباحث الأكاديمية كفيل بملء هذا الفراغ وبالتأسيس لحالة إعلامية أكثر تطورًا، وهذا حامل لتبعات ونتائج إيجابية من حيث أنه يحشّد أوسع قطاعات الرأي العام وراء النظام السياسي، ويعزز الثقة في دور الحياة السياسية. ومع ذلك أرى ان إعلامنا يجتهد في الخروج من حالة النمطية وإتاحة الفرصة للتنوع في الرأي قدر الإمكان.
قلت للصديق: أتفق معك في هذا التوصيف، لكن هنالك جملة من العوامل تجعل التلفزيون - أي تلفزيون - يتردد أمام عدد من الحوارات السياسية بوجه خاص، وأولها حسب رأيي هو الخوف من إمكانية توظيف الصورة والخطاب التلفزيوني للتعبئة، ولبثّ البلبلة أو زرع الأفكار المتطرفة.
قال: أعتقد أن الخوف الذي تتحدث عنه لا مبرر له، لأن هناك قدرا واسعا من الحريات الإعلامية والانفتاح، تجد في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الصحف ومواقعها الإلكترونية وفي تعليقات القراء والمجالس الشعبية وغيرها.
قلت: إن فتح منابر الحوار الإعلامي في المجالات الأكثر حساسية مثل السياسة والاقتصاد، تحتاج الى مساحة أوسع من المبادرة، وعلى من يدير التلفزيون ان يستوعب عمق التحول السياسي المنفتح الذي نعيشه، وعليه بالتالي تجاوز المبالغة في التحفظ. لأن تلك النزعة المتحفظة هي ما يدفع عددا من السياسيين إلى البحث عن فضاءات إعلامية خارجية للوصول الى الجمهور. هذا بالرغم من قناعتي التامة أن الحديث من خلال التلفزيون الوطني والمشاركة في حواراته أفضل بكثير من اللجوء إلى قنوات احترفت التعبئة ضد البلاد، من خلال خطاب طائفي عدائي مسموم. كما أن المشاركة في الحوارات الوطنية ضمن الممارسة الإعلامية الديمقراطية يمكننا من تطوير لغة التخاطب السياسي والإعلامي.
العودة إلى الأسئلة القديمة.
نجح الاقتصاد متضامنًا مع السياسة في التهوين من قدر الثقافة، وعولمة الاقتصاد تقود قافلة العولمة جارة وراءها عولمة الثقافة، فالتكنولوجيا في أحوال كثيرة أسرع من العلم، والعلم أسرع من الاقتصاد، والاقتصاد أسرع من السياسة، والسياسة أسرع من الثقافة التي أصبحت في ذيل القافلة.
فهي ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي ثمارها وتترسخ، ولكن السياسات وحركة الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والأسواق تتغير بسرعة، فما يظهر مذهب فكري أو اجتماعي حتى يلحق به ما يناقضه أو ما بعده، فبنيوية الستينات أطاحت بها التفكيكية وما بعد البنيوية، والحداثة تتجاوزها ما بعد الحداثة، ونجد مصطلحات ورموزًا كثيرة تعبر عن هذا التسارع والنفي المستمر: نهاية المكان، نهاية الجغرافيا، نهاية التاريخ، نهاية الدولة، نهاية الأيدلوجيا، نهاية الكتاب، نهاية المؤلف وهكذا....
لقد أصبحت الثقافة شاغلا أساسيا للجميع بعد أن اتضحت أولوياتها في عملية التنمية بالإضافة إلى كونها من أهم صناعات عصر المعلومات، ولذلك عادت الأسئلة القديمة التي أخفاها القرن العشرون في غمرة التخصص الدقيق والفصل بين العلوم والمعارف والثقافة، لتطرح معظم القضايا الثقافية والاجتماعية. ولم يعد التنظير الثقافي يقبل الفصل بين ثقافة النخبة وثقافة العامة، بل يتجه نحو دراسة الثقافة وهي تعمل على نحو ديناميكي في إطار البنى الاجتماعية العريضة في صورة خرائط ثقافية ومسوح إحصائية وقواعد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها