النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

عندما تصبح الأفكار قيودًا «2»

رابط مختصر
العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440

كيف تحققت امتيازات كثيرة في الدول الرأسمالية للمواطن ليعيش باكتفاء ورفاهية، مع حريات واسعة عامة وشخصية، فيما عجزت البلدان الاشتراكية عن تحقيق ذلك؟ على المستوى النظري كانت الحلول التي افترضتها الاشتراكية للعدالة الاجتماعية والمساواة جميلة وممكنة وواقعية، لكن على محك التجربة اختلف كل شيء، لذا انتفضت شعوب البلدان الاشتراكية على أنظمتها، فالرفاه الاقتصادي الذي وعدت به لم يتحقق في هذه البلدان، فيما تحقق هذا الرفاه في المجتمع الرأسمالي، وصار بالإمكان أن تصل نسبة من هذا الرفاه الى الطبقات الدنيا. وصلت الدولة الرأسمالية الى هذا الهدف بوسائل كثيرة أهمها النظام الديمقراطي الذي يتيح نقد الدولة وحرية الرأي الذي يجعل المشاكل التي يعاني منها المجتمع واضحة للعيان، بالإضافة الى نظام الضرائب الذي يدخل في ميزانيات الدولة الوطنية مداخيل كبيرة تتيح لها مساعدة الطبقات الدنيا لخلق توازن في المجتمع. تصل الضرائب في بعض دول الغرب الى أكثر من 40% في الدول الاسكندنافية وألمانيا. ورغم أن الضرائب لا تستثني الطبقات الدنيا حيث تدفع نفس النسبة، إلا أن الفائدة تعود إليها مع الامتيازات المادية الكثيرة، بالإضافة الى أن الحد الأدنى للرواتب عاليا ما يتيح للمواطن أن يدفع الضريبة دون أن يعاني من ضيق ذات اليد، أي أن ما يتبقى من الراتب بعد خصم الضريبة يغطي حاجته.
هذا النظام خلق توازنا نسبيا بين الطبقات، وساد السلام والهدوء في المجتمع الذي راح يوجه كل طاقاته الى العمل والإنتاج والاستمتاع بحياته، كما تحققت له درجة كبيرة من الرضى والشعور بالأمان، فكل متطلبات العيش المادية والمعنوية متوافرة له. الكل سعيد في بلاد الرأسمالية خاصة في الدول الاسكندنافية. الديمقراطية (وهي صناعة رأسمالية) جاءت لتقنن وتنظم الصراع داخل المجتمع الناتج من الفوارق الطبقية، ليصبح الاختلاف والصراع سلميا، ضمن ضوابط القانون والدستور والمجالس النيابية.
عندما وضع المفكر الألماني كارل ماركس نظريته الاشتراكية بعد أن رأى توحش الرأسمالية في الغرب في أواسط القرن التاسع عشر، كانت الطبقات الدنيا لا تحظى بالكثير من الحقوق التي توافرت لها في الوقت الحالي. الافتراضات النظرية للاشتراكية في حيزها النظري، كانت تتوقع أن يحدث التحول الاشتراكي في إحدى الدول الرأسمالية الصناعية في الغرب، لكن ذلك لم يحدث، فالاشتراكية قامت في دولة زراعية هي روسيا، هذا يوضح كيف أن النظرية قد تبدو براقة وجميلة وممكنة على الورق، والتجربة وحدها هي التي تحدد مصداقيتها وجدواها وإمكانية نجاحها. استيقظ اليسار العربي والعالمي من حلم الاشتراكية بعد العام 1989 الذي انهارت بعده المنظومة الاشتراكية. اليسار الأوروبي كان التحول لديه أكثر سرعة لقربه من النظام الرأسمالي ما وفر له أن يرى مزاياه، تلاه بعض اليسار في العالم الثالث. اليسار الذي لم يكن مؤمنا بالنظام الرأسمالي الليبرالي قبل انهيار المنظومة الاشتراكية، أصبح بعد انهيار التجربة الاشتراكية في بلدانها الأم، أكثر اقترابا من الليبرالية الرأسمالية ومنهجها الديمقراطي التعددي، لكن ليس كل اليسار تحول الى هذا المسار، فهناك من مازال لا يؤمن بهذا التغيير، فالأمور لديه مازالت ملتبسة وغامضة، فهو (هذا اليسار) ينام ويصحو على أفكاره القديمة التي هجرتها أوطان الاشتراكية الأم، هذه الفئة من اليسار تتعرقل أقدامها في قيود أفكار لم تحقق نجاحا على الإطلاق.
أحيل القارئ هنا الى تحليل وشرح لكتاب المفكر اليساري كريم مروة الذي صدر حديثا في بيروت بعنوان (فصول من كتاباتي وحواراتي)، يوضح ما ذهبنا إليه. وردت مضامين هذا الكتاب في ملخص نشرته جريدة «الأيام» بتاريخ 27 أكتوبر 2018 في مقالة في الصفحة 15 أوردتها الكاتبة رفيف رضا صيداوي من مؤسسة الفكر العربي. المفكر اللبناني اليساري المعروف كريم مروة يعرض في هذا الكتاب مشروعه الفكري للنهضة العربية والتغيير كما يراه، من منطلق جديد مختلف عن أفكاره اليسارية السابقة، هذا العرض الذي قدمه مروة أثار حوارا ولغطا ونقدا من أطراف مختلفة في لبنان والوطن العربي، لما جاء فيه من تجديد لأفكاره السابقة يساريًا اشتراكيًا قديمًا، وهو في هذا العرض يوضح هذا التحول الذي حدث عند الأحزاب اليسارية والاشتراكية في الوطن العربي والعالم. تقول الكاتبة رفيف رضا صيداوي عن ما أسمته المشروع الفكري لكريم مروة: «إن ما ينطوي عليه هذا المشروع من أفكار وتطلعات لا تمت بصلة الى الفكر الاشتراكي الذي ناضل الرجل من أجله لأكثر من أربعين عاما»، وتضيف «أبدى كريم مروة السياسي والمفكر القيادي البارز في الحزب الشيوعي اللبناني منذ العام 1952 وفي أكثر من مناسبة حرصا على تحرير مشاريع التغيير المرتبطة بالاشتراكية ومثيلاتها من كل ما هو يقيني، وجعلها مفتوحة دائما على التحديث والتغيير والتجديد؛ وذلك منعا لكل ابتذال وترهل»، وأضيف بدوري -على ما قاله مروة- أن انعدام التجديد في الفكر هو مدعاة الى أن يتحول الى عقائد جامدة غير صالحة، تتحول في هذه الحالة، من رافعة للتقدم الى رافعة للجمود والثبات، لتصبح في النهاية عقبة تؤخر الهدف الإنساني الذي جاءت من أجله، وتموت على الورق. هنا يصبح الفكر قيدا مرئيا أو لا مرئيا يكبل صاحبه/‏أصحابه.
ماذا يستدعي هذا الرأي عندما يقوله مفكر ومناضل عربي بحجم كريم مروة؟ تقول الكاتبة رفيف رضا صيداوي إن كريم مروة في مشروعه الديمقراطي من أجل التغيير: «يلتفت الى الأخطاء التي وقعت فيها الأحزاب الاشتراكية، وأبرزها عدم واقعية سياستها في كثير من الأحيان، فضلا عن تحويل الماركسية الى عقيدة جامدة وقراءتها بكثير من الدوغمائية»، يقول مروة أيضا: «إن التغيير يتحقق من داخل كل بلد وظروفه بتوفير الديمقراطية كضرورة لبناء الدولة، بحيث تشكل الديمقراطية المبدأ التأسيسي لإمكانية السير قدما في المشروع الواقعي للتغيير».
أعتقد من هذا السياق أن هذه التداعيات التي حدثت في فكر اليسار الاشتراكي ليست جديدة، لولا أنه مازال هناك في البلاد العربية من يتشبث بالقناعات القديمة للفكر الاشتراكي، معتبرا هذا الانتقال خروجا على المبدأ إن لم يكن هو نوع من الخيانة. لقد حسم اليسار في الغرب هذه المسألة الفكرية، كما اقترب بعض الكتاب اليساريين الى الليبرالية في أمريكا اللاتينية، لكن مازال بعض اليسار العربي متمسكا بالفهم القديم للتغيير والتقدم.
 ومازال بعض اليسار العربي أسير هذه الحواجز والقيود، حتى بعد أن تداعت وانهارت معاقلها في الاتحاد السوفيتي، والمنظومة الاشتراكية. ينتهي المفكر اليساري كريم مروة الى قناعاته الجديدة ليصل الى النتيجة الآتية: «من شأن الدولة الديمقراطية ودولة القانون وما يرافقها من رقابة وحساب أن يحد من وحشية الرأسمالية الحالية القائمة في البلدان المتقدمة، بقدر ما هي قائمة في بلداننا المتخلفة»، وهو يرى أن «التوحش والفساد أشد وأفدح بغياب الديمقراطية منه في وجودها، وعليه يجب النضال في سبيل إزالة هذه العوامل التي جعلت هذا التوحش هو الأشد في بلادنا».
يلاحظ كريم مروة في هذا الكتاب (عدم واقعية) سياسات الأحزاب الاشتراكية السابقة، كما يقترح ما أسماه (المشروع الواقعي للتغيير)، لكي تفلت الأحزاب الاشتراكية من الجمود والدوغمائية، كما يرى «أن التغيير يتحقق من داخل كل بلد وظروفه».
ماذا يريد المفكر كريم مروة من تكرار كلمة (الواقعية) مرتين في جملتين متقاربتين؟ وما هي هذه الواقعية التي يقصدها؟ فالكلمة فضفاضة، ومن الممكن تفسيرها حسب السياق التي تأتي فيه. وأرى شخصيا هذه الواقعية المناسبة لكل بلد، في الظروف المختلفة لكل بلد، وفي أوطاننا العربية، هناك اختلاف في كل بلد عربي في الظروف السياسية والثقافية والتاريخية ما يجعل كل بلد عربي يذهب الى الديمقراطية بمسار فيه اختلاف من بلد الى آخر حسب ظروف هذا البلد، وأرى من هذا المنطلق الذي يحدده كريم مروة أن القفز على الظروف، قد يؤدي الى انتكاسة، كما ينتكس المريض إذا لم يحسن العلاج.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها