النسخة الورقية
العدد 11061 الإثنين 22 يوليو 2019 الموافق 19 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

حقوق المرأة بين الدستور والقانون

رابط مختصر
العدد 10803 الثلاثاء 6 نوفمبر 2018 الموافق 28 صفر 1440

نظمت جمعية المرأة البحرينية يومي 28 و29 اكتوبر 2018 المؤتمر الإقليمي تحت شعار «المرأة في المجال التشريعي... تجارب وآفاق»، وتضمن المؤتمر خمسة أوراق تتناول جوانب مختلفة، وكلها مهمة، عن التفاعل بين المرأة والسلطة التشريعية في الإطار الاجتماعي والعرفي والتقليدي الذي تعيشه المرأة، وفي ظل حياة ديمقراطية مازالت في أولى مراحلها.
هذه فعالية وطنية مهمة بين فعاليات عدة تنظمها جمعية المرأة البحرينية، وهي تسعى إلى ترسيخ التجربة الديمقراطية وتعزيزها، وزرع الوعي الديمقراطي وروح المساواة بين الجنسين في ربوع الوطن وفي الوعي الجمعي للمواطنين، وهي بهذا الدور الوطني النوعي تستحق من الوطن والمواطنين كل الدعم والاحترام والتقدير.
رغم أهمية الأوراق الخمس إلاّ أن ورقتين بينها حظيتا بأهمية نوعية؛ ورقة الاستاذ المحامي حسن إسماعيل بعنوان «الاسس الدستورية والقانونية لمشاركة المرأة البحرينية في المجال التشريعي»، وورقة الأستاذة السيدة مريم الرويعي بعنوان «التحديات والصعوبات التي تواجه المرأة في الوصول للمجلس التشريعي». ولكل ورقة أهميتها النوعية والخاصة، وهذا يستدعي تخصيص مقال منفرد لكل ورقة حتى نعطي الورقتين حقهما. أبدأ بورقة الاستاذ المحامي حسن إسماعيل.
هذه الورقة تكشف عن آلية استنباط القانون من نص الدستور، وكيف أنّه بامكان المشرع القانوني أن يفرغ النص الدستوري من روحه بالتحايل على النص الدستوري اعتماداً على صيغة لغوية قابلة لمعانٍ مختلفة، أو اعتماداً على مذكرة تفسيرية، هي بحد ذاتها قد تكون التفافاً على روح الدستور، عندما يصيغ المشرع نصوص قانون معين؛ ومن أبشع أنواع التحايل على الدستور وأكثرها قبحاً وكارثيةً هو الإعتماد على جهل العامة بالدستور، وانتهازية الفريق البرلماني مع غياب صحافة واعية حرة؛ وهذا الجهل وأخته الانتهازية هما سمة سائدة في العالم الثالث والخامس دون أدنى رادع حتى مع وجود محكمة دستورية. هذه العلاقة بين الدستور والقانون ليست بالأمر السلس والمباشر، والناتج القانوني من النص الدستوري ليس بالضرورة أن يكون منسجماً مع النص الدستوري الذي إستنبط منه القانون؛ وهنا تقع اشكالية كبيرة، خاصة إذا كان عدم الانسجام ناتج عن مصالح وأهداف مرتبطة بالسلطة التنفيذية او القضائية و التي تتناقض مع روح الدستور. هذا أمر ليس بجديد، بل أن جميع الدول الدستورية عرضة لهذه الإشكالية، ولكن بدرجات متفاوتة، وهي الأكثر انتشاراً في دول العالم الثالث والخامس، أما في أوروبا الغربية وأمريكا واليابان، فإن الالتفاف على نصوص الدستور والتلاعب بروح الدستور ليس بالأمر اليسير. للكشف عن هذه العلاقة، بين الدستور والقانون، تسترجع الورقة ما حدث في دستور عام 1973، الذي يعطي المرأة حق الترشح وحق الانتخاب، بينما القانون المستنبط يلغي هذا الحق؛ وهذا هو النص المعني الذي جاء في الورقة: «لم يكن الأساس الدستوري لمشاركة المرأة في السلطة التشريعية في دستور 1973 يمنع المرأة البحرينية من المشاركة في الحياة السياسية، إذ جاء هذا الأساس واضحاً وصريحاً في المادة الأولى البند (هـ) على أن (للمواطنين حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية، بدءاً بحق الانتخاب، وذلك وفقا لهذا الدستور وللشروط والأوضاع التي يبينها القانون). غير أن المشرع العادي واضع القانون رقم (10) لسنة 1973 بشأن أحكام الانتخاب للمجلس الوطني حرم المرأة البحرينية من أن تكون شريكاً للرجل في السلطة التشريعية بدون وجه حق فنص هذا المرسوم بقانون في المادة 4 /‏أ، أنه (لكل بحريني من الذكور بلغ من العمر عشرين سنة ميلادية كاملة حق الانتخاب) مخالفا بذلك حكم المادة من دستور 1973 سالفة البيان، بل خالف الأساس الدستوري الذي نص عليه دستور 73 في المادة (18) والمتعلق بالمساواة والمواطنة وعدم التمييز الذي نصت على أن (الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، ويتساوى المواطنون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة)». ما كان بالإمكان في حينه الطعن في القانون لعدم استمرارية التجربة البرلمانية في تلك المرحلة من الحياة السياسية في البحرين. إن المشرع الذي استنبط القانون من نص الدستور حصر كلمة «مواطنين» في الجنس الذكوري مستبعداً الإناث، رغم أن قواعد اللغة تفيد بأن كلمة «مواطنين» هي جمع للجنسين، ولكن هوى المشرع استغل التصريف المذكر للكلمة ليسوغ هواه في حرمان المرأة من حقها في الترشح والانتخاب، مما يقتضي بالضرورة توضيح الأمر لتفويت الفرصة على الأهواء التي تنزع إلى الالتفاف على روح الدستور. وهذا الاستدراك قد حصل بالفعل في دستور عام 2002 الذي استنبط أسسه من الميثاق الوطني، وقد عبرت ورقة الاستاذ المحامي حسن إسماعيل عن هذا التطور بهذا الايضاح: «وقد وضع ميثاق العمل الوطني الأساس الذي ركن إليه المشرع الدستوري في دستور 2002 من إقرار لحق المرأة البحرينية في أن تكون ناخبة ومرشحة في السلطة التشريعية إذ توافقت إرادة الشعب في الميثاق على أن يقوم الحكم في دولة البحرين على أسس رئيسية منها حق الشعب في المشاركة في الشئون العامة، فنص على أن (يتمتع المواطنون رجالاً ونساءً بحق المشاركة في الشئون العامة والتمتع بالحقوق السياسية في البلاد بدءاً بحق الانتخاب والترشيح طبقًا لأحكام القانون). وقد جسد المشرع الدستوري هذا الأساس بالنص عليه في المادة الأولى البند (هـ ) من دستور 2002 (للمواطنين، رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشئون العامة والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق الانتخاب والترشيح، وذلك وفقاً لهذا الدستور وللشروط والأوضاع التي يبينها القانون. ولا يجوز أن يحرم أحد المواطنين من حق الانتخاب أو الترشيح إلا وفقاً للقانون)». امام هذا التعبير الواضح والذي ذكر «المواطنون، رجالاً ونساءً» في الميثاق الوطني والدستور لم يجد المشرع القانوني وسيلة للالتفاف على نص وروح الدستور.
هذا التفاوت الواضح بين دستور عام 1973 ودستور عام 2002 في حق المرأة، والذي طرحه الاستاذ المحامي حسن إسماعيل في ورقته القيمة، يؤكد على إيجابية نوعية لدستور عام 2002 مقارنة بدستور عام 1973م.
إن هذه الورقة التي كشفت جانباً مهماً وحساساً من العلاقة بين الدستور والقانون، وفي السياق نفسه، العلاقة بين اللوائح والقانون والدستور، قد أوحت برسائل مبطنة، يمكن قراءتها بوضوح، وهي أهمية وعي المواطن بالعلاقة بين الدستور والقانون واللوائح، وبأن الدستور هو ذاك العقد الاجتماعي الذي يربط بين الحكومة والشعب، وأن هذا العقد الاجتماعي قابل للتغيير حسب التطورات والمستجدات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الثقافية؛ وأن روح التطور تفرض نفسها على آليات التغيير والتعديل في الدستور للتقدم إلى الإمام وليس للتراجع إلى الخلف؛ وأن على المواطن أن يكون حذراً من أن يبقى الدستور حبيس ثقافة مجتمعية مغلقة، أو يكون ضحية مراوغة قانونية، تلك المراوغة التي تبحث عن ثغرة في الدستور كي تفرغ الدستور من روحه وتجرده من أهدافه المقصودة.
 لقد وضع الاستاذ المحامي حسن إسماعيل كل كلمة في الورقة في مكانها الملائم دون زيادة ولا نقصان، وقدم الأفكار، حول العلاقة بين الدستور والقانون، بوضوح وسلاسة، وبسط عرض الأفكار التشريعية لتكون في متناول فهم الجميع، وهو في عرضه للأفكار لم يراوغ ولم يسعَ إلى الألوان اللغوية والبلاغية لتمرير المبهم من فكر وكلام، لأن أفكاره كانت ناطقة بذاتها واضحة، وكانت نابعة من وعي وطني راسخ وصادق أمين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها