النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11200 الأحد 8 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

مُدُن ذكية ومستدامة وأخرى نصيبها الدمار والإبادة

رابط مختصر
العدد 10802 الاثنين 5 نوفمبر 2018 الموافق 27 صفر 1440

 في الوقت الذي تنظر فيه بعض الدول والشعوب بعيون حالمة إلى المستقبل، وتخطّط لبِناء مدن ذكيّة ومستدامة تماشيا مع الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة التي أقرّتها الأمم المتحدة، تسعى مدن أخرى إلى لملمة جراحاتها، وجمع ما تبقّى من بنيانها وآثارها الدارسة المدمّرة بفعل ما لحقها من خراب ودمار جرّاء ما صار يُعرف بالحرب على الإرهاب حينا، أو ما يُعرف بتطهير بعض المدن من الأوثان أو الطغيان على أيدي الجماعات التكفيرية المسلحة ومن يقف وراءها حينا آخر.
 حقّا كم هو جميل أن نحتفي في 31 من تشرين الأول/‏أكتوبر من كلّ عام باليوم العالمي للمدن تعزيزا لرغبة المجتمع الدولي في نشر الحضرية على مستوى العالم، والدفع قدما نحو التعاون بين البلدان لاستغلال الفرص المتاحة والتصدي للتحديات الحضرية، والإسهام في التنمية الحضرية في كل أنحاء العالم! وكم هو جميل أن تحتفي الأمم المتحدة بهذه المناسبة في هذا العام (2018) تحت شعار «بناء مدن ذكية مستدامة ومرنة» نظرا إلى ما تحتاجه المدن من دعم وتطوير لتصبح مرنة وقادرة على امتصاص آثار المخاطر، وإتاحة الحماية للنفس الإنسانية وصونها، والحد من الأضرار الواقعة على ثروات القطاعين العام والخاص.
 لكن، كم يا تراه سيكون جميلا حقّا لو استنفرت الأمم المتحدة كل أدواتها لإيقاف طوفان الدمار الذي لحق العديد من المدن العربيّة! فحجم الدمار في السنوات الستّ الأخيرة في البشر والحجر فاق كل التوقعات، فهل يُعقل ألا يكون للأمم المتحدة الآليات والأدوات والوسائل الكافية لإيقاف عمليات «داعش» النكراء في العراق وسوريا وما ألحقته بالمدن التي «سيطرت» عليها من أضرار؟! أيعقلُ أن تصدر القرارات على وجه السرعة للتدخّل في العراق 1993 وليبيا 2011 ضدّ أنظمة ودول قائمة الذات، ولا تصدر قرارات مثلها وبالسرعة والقوة نفسهما للسيطرة على جرائم «داعش وأخواتها» في اللحظات الأولى من تكوّنها؟ ألم تطلق اليونيسكو صفارات الإنذار لما يلحق الآثار والمتاحف والمدن الأثرية وهي تقصف وتدمّر أمام مرأى ومسمع العالم كله؟ أم كان ذلك تشجيعا على طمس تاريخ وحضارة المدن العربية في كل من سوريا والعراق؟
لهفي عليك أيتها المدن العربيّة في زمن المدن الذكيّة! أيّ عقل وأيّ منطق يستطيع أن يفهم ما لحق بمحافظة الأنبار أو الموصل التي وصفت بالمدينة الميتة؟ بل أيّ لسان وأيّ وجدان يستطيع أن يرثي نينوى والرمادي والفلوجة وتكريت وبيجي وكركوك وشمال بابل.. والقائمة في العراق تطول، فقد وقع تدمير وسرقة أكثر من 50 موقعا أثريا مهمّا في العراق بين كنائس ومساجد وقبور وأضرحة.. وفي الجملة فإنّ الأضرار التي طالت المدن العراقية لا توصف؛ فهناك مدن مسحت بالأرض وأخرى لم يعد يُرى لها إلا بعض آثار لا سيما بعد تدخل الميليشيات التابعة لإيران وغيرها من القوى المسلحة في العراق التي تحوّلت فيها المعركة إلى حرب طائفية بين مسلحين دواعش محسوبين على أهل السنة وميليشيات الحشد الشعبي المحسوبة على الشيعة في العراق.
 هكذا هو قدر المدن العربية في زمن المدن الذكية! أو هكذا يريد «الأذكياء» من دهاة الساسة وصانعي القرار في المدن الغربية. أمّا إذا اتجهت إلى الجارة سوريا فحدّث ولا حرج! ولا تسل عن حلب والغوطة الشرقية ولا حتى عن أطراف دمشق.. ولَكَمْ تشابهت المدن السورية ببعض المدن الغربية إبان الحرب العالمية، فها هي الرقة صورة من نظيرتها الروسية (ستالينغراد)، وها هي المعركة التي شنتها قوات سوريا الديمقراطية في 2016 بالتزامن مع زحف القوات النظامية لاستعادة السيطرة على الرقة تقارب في خسائرها المادية والبشرية وفي آثارها التدميرية ما لحق (ستالينغراد) في معركة السيطرة عليها بين ألمانيا وحلفائها من جهة والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى.
 وليس حظّ المدن العربية في الغرب بأفضل منه في الشرق، فها هي مدينة (سرت) الليبية قد تحوّلت إلى مدينة أشباح، وتحولت ساحاتها إلى ميادين للإعدام والقتل العلن أمام مرأى العالم الذكيّ جدا.. وها هي مدن (درنة) و(مصراتة) و(بنغازي) وغيرها قد عانت الأمرّيْن من صراع تنظيم داعش وقوّات فجر ليبيا وقوات «خليفة حفتر» وغيرها من الميليشيات المسلحة على مرمى بصر من فرنسا وإيطاليا اللتين تنتظران انتهاء المعارك لاقتسام كعكة إعادة الإعمار ونهب ما تبقى من نفط ليبيا.. وها هي معظم المدن الليبية تعاني من أزمة الماء والكهرباء في دولة كانت واحدة من أغنى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
 إنّه في الوقت الذي تبحث فيه بعض العواصم والمدن عن الحلول والعقبات التي قد تحول دون إنشاء مدن ذكية ومستدامة، في هذا الوقت نفسه، لا تزال بعض المدن العربية العريقة حضارةً وتاريخًا تلتقط أنفاسها للوقوف من جديد، ولا يزال سكّانها المهجّرون عنوة يعودون بحثا فيها عن بصيص أمل أو بعض آثار تدلهم على بيوتهم القديمة، ولا يزال البعض الآخر ينظرون إليها بعين الريبة والشك ويتوجسون خيفة من عودة الحروب أو من استيقاظ بعض الخلايا النائمة لفيروس «داعش» الذي ثبت للأذكياء فقط أنّه ينشط ويخبو وفق أوامر ومصالح من أنشأ هذا الكيان الهجين عن بلادنا العربية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا