النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

معادلة المعرفة والالتزام..

عندما تفقد الأمة وعيها الجماعي

رابط مختصر
العدد 10802 الاثنين 5 نوفمبر 2018 الموافق 27 صفر 1440

يقول جون بول سارتر: إن عالم الذرة في المعمل وهو يجري الاختبارات المعقدة على فصل عناصر الذرة، لا يعد مثقفا، بل هو مجرد عالم مختص. إلا أن نفس هذا العالم عندما يعي الخطورة البالغة لاستخدام الذرة في المجال العسكري وتأثير ذلك على حياة الانسان والأرض، ويقرر التوقيع على عريضة ضد تطوير واستخدام الأسلحة النووية، فإنه وقتها ينتقل من مجرد عالم متخصص إلى مثقف، لأنه في هذه الحالة يخرج من كونه عارفا إلى كونه مثقفا، ويغادر كونه محطة متخصصا، ليعبر عن ضمير الناس. لأن المثقف في النهاية يجب أن يعبر عن ضمير المجتمع، باعتباره حاملا للوعي الاجتماعي، بالتوجيه والنقد والكشف هم الحقائق، والتعبير الحي عن الالتزام الاجتماعي تجاه مجتمعه. فالمثقف لا يستكين للواقع بكل عيوبه ومفاسده ومغرياته، بل يعمل على فهمه وتحليله وتغييره في ذات الوقت.
ولكن أين المثقف عندنا من هذه المعادلة؟ أي معادلة المعرفة والوعي والالتزام؟
عند الإجابة عن مثل هذا السؤال، فإن أكثر ما يؤلم هو غياب قيم الالتزام وتراجعها على أكثر من صعيد لدى المثقفين أو جزء كبير منهم حيث أصبح الاستسلام للواقع ومساراته فضيلة يتم التغني به، وأصبح مجرد الوجود والبقاء على الأرض فضيلة من الفضائل، وأصبح الصمت أداة رئيسية لتحقيق الانسجام التعس مع هذا الواقع الرديء، وبذلك استشرت قيم «أكل العيش» والقدرية والتقية وتحولت إلى أدوات رئيسية في العمل الثقافي العربي، حتى أن الكاتب في كثير من الأحيان، أصبح منشغلا بمجاراة الواقع، أكثر مما هو منشغل بفحصه ومعاينته وتشخيص الأدواء والأمراض وسبل علاجها، ولذلك ينشغل عدد منهم في ثقافة التسلية أو التهريج والسخافة أو بيع الأوهام، بدلا من التصدي للقضايا والتحديات الحيوية التي تواجهها مجتمعاتنا.
ثقافة لسانية مسطحة
كثيرا ما يقال إن ثقافتنا لسانية مسطحة، لا تهدف إلى فهم الواقع أو تغييره، ولا تستطيع أن تتخذ قرارا جماعيا بشأنه، بل تهدف إلى تغييب هذا القرار من خلال إغراقه في زخارف اللغة والبلاغة والمسطحات الجمالية في لغة تدور حول نفسها منذ قرون، وتكرر الخطاب ذاته بالألفاظ نفسها المكررة ذاتها تقريبا (مثل الاصالة والمعاصرة والتجديد والهوية والجذور والتغريب ووو)، ما يجعل جزءا كبيرا من نتاجنا الثقافي مجرد لغة من دون فكر، أو من دون فكرة مؤثرة فاعلة في الواقع.
إن الأمة التي تفقد وعيها الجماعي، تفقد عقلها الجمعي، وهي بذلك تكون من دون فكر يقودها، وما تمتلكه من لغة وبلاغة تتسلى بهما عن الفكر وعن الفعل معا، فاللغة لوحدها لا تعوض الأمة عن غياب الفكر والفعل الثقافي المؤثر.
إن اللغة هنا تتحول إلى أداة سحرية لسد النقص في العقل، إلا أنها، وهي تفعل ذلك، توفر للأمة دروبا للهروب من الواقع، ومواجهة استحقاقاته التي لا مفر منها في النهاية. وهذا الهروب هو بالضبط ما درجنا على فعله منذ قرون عديدة، عبر المحاولات اليائسة لاستحضار الماضي وإعادة الحياة له من دون جدوى، بدلا من الاشتغال بتطوير الواقع وبناء المستقبل من خلاله. كما أن محاولات استحضار أو إحياء الماضي على حساب الواقع لعبت دورا خطيرا في إحلال هذا الماضي وهميا محل هذا الواقع وحجب المستقبل عن عيوننا.
إن المشكلة الرئيسية التي نعاني منها وسوف نعاني منها لأمد طويل هي أننا نتلبس هيستيريا اللغة ونجعل الكلمات بديلا عن الفعل. بل إننا وبلا منازع تقريبا، نفصل بين الفعل والقول منهجيا، ونعيش في فقاعة اللغة على حساب الفعل، وبدلا من مواجهة الواقع والتفرغ لمعالجة، فإننا نظل نتكلم ونتكلم إلى ما لا نهاية، وبذلك لا نفتح بابا نحو المستقبل، حتى أصبح معلوما بأننا نتملك أفضل المبادئ (على صعيد القول) وأسوأ الأفعال (على صعيد الممارسة).. وتلك مصيبة المصائب. ولذلك فإننا نحتاج إلى حلول جذرية لإيقاف نزيف الوعي والاقتصاد المجحف في طاقة العقل بإعادة الاعتبار لكل شمعة قادرة على إضاءة الأماكن المظلمة والفضاءات الدامسة، وامتلاك شجاعة القول والفعل المؤسس على الالتزام تجاه مجتمعاتنا.
ولكن قد يقول قائل إن الحديث عن دور المثقف هنا يبدو مجردا عن إشكاليات التلقي الذي يعاني من صعوبة بالغة، وسط أمة لا تكاد تقرأ، وفي ظل سيطرة هراء الإعلام الاجتماعي على كافة الفضاءات والمجالات.
والحقيقة أن هناك مؤشرات عن هذا المنعطف الذي وصل إليه موضوع التلقي في ظل فكرة «ابتعد عن الثقافة تعش» بما جعل العديد من الناس ضحايا قناعات لا تحث إلا على التخفيف من الوزن الثقافي والابتعاد عن كل ما له علاقة بالثقافة. وهو أمر غريب، ولكنه واقع، حتى أنه ليبدو كأن المطلوب وبعد تدني مستوى التلقي الثقافي ألا تخرج أية مادة ثقافية عن الدرجة صفر للتلقي، وكأن الذين سيطالعونه ما يزالون يزاولون تعليمهم في السنة الاولى ابتدائي، أو ما يزالون يتدربون على الالف باء في صورتها الصوتية، ما يجعل أي جهد ثقافي كأنه صرخة في وادٍ وقفزة في المجهول. اكتب ما تشاء ولن يعبأ بك أحد..
وإذا كان هذا صحيحا إلى حد كبير، فليس معناه الاستسلام إلى ثقافة الانسحاب من معركة الوعي، فالنص المفتوح سيظل يطارد العقول المنفتحة، والمتلقي الملقح ضد أمراض اللامبالاة والاستقالة لأتفه الأسباب سيظل موجودا ويقاتل على الجبهة الثقافية جنبا إلى جنب مع الكاتب المبدع، فيتلقى المكتوب، ليعقب ويجادل ويعمق الطرح، ويسهم في خوض النقاش المثمر والمبدع، فيكون التلقي إعادة للإنتاج، وتجاوزا للكاتب نفسه. وكما قال الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون: لقد شفينا نهائيا من مرض البحث عن حل في «كراس المعلم».
همس
يقول المسرحي الإيطالي داري وفو: «إن مهمة الكاتب هي ان يزعج الآخرين، وان يوقظهم او أن يقض مضاجعهم، وألا يدعهم يستريحون، وليس مطلوبا منه أبدا أن يداعبهم أو يمتعهم بما يريحهم».
ويقول المفكر الليبي الصادق النيهوم في كتابه «محنة ثقافة مزورة»: «في بلاد العرب، ومنذ فجر التاريخ كانت الثقافة سلاحا، مهمته تجهيل الناس أكثر من تثقيفهم، ولهذا السبب سكتت جميع الثقافات العربية عن قضايا الإنسان، وفشلت في تطوير مجتمعات حقيقية محررة من عبادة الأصنام الحية والميتة».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها