النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

أوروبا في قلب العاصفة

رابط مختصر
العدد 10800 السبت 3 نوفمبر 2018 الموافق 25 صفر 1440

كانت المشكلة في بدايتها تتعلق بالمهاجرين الى الغرب من أفريقيا والشرق الأوسط، والذين بلغ عددهم ثلاثة ملايين لاجئ فقط في العام 2015 و2016، (وإيطاليا وحدها إستقبلت في الخمس سنوات الأخيرة 650 ألف لاجئ)، لكن المشكلة راحت تكبر وتتسع وتأخذ شكل الصراع الداخلي الأهلي في الحدود القومية. لكن ماكان لهذا الصراع أن ينمو ويستحوذ على المشهد العام لولا وجود بذور قديمة مختفية تحت قشرة الأرض وجلد المجتمع كالجمر تحت الرماد، ولما رأينا هذا الحضور الكاسح للشعبوية العنصرية التي أنجبت هتلر وموسليني.
إنحصرت المشكلة في البداية في كيفية التعامل مع المهاجرين وطالبي اللجوء، ثم تحولت الى مشكلة أخرى أكثر تعقيدا. الحكومات الليبرالية التقليدية الحاكمة تعاملت مع المهاجرين حسب ما تمليه عليهم الأعراف الدولية؛ في اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين التي صدرت في العام 1951. تلزم هذه الاتفاقية الدول الأعضاء استقبال اللاجئين الهاربين من ظروف قاهرة غير إنسانية في بلدانهم وتتكفل بإيوائهم ومساعدتهم، كما أن الأعراف الديمقراطية في المجتمعات الغربية المتسامحة كانت تتقبل التعايش مع كل الأعراق والديانات وإدماجهم في المجتمع. لكن مع تدفق المهاجرين بالملايين، ومع تذمر قطاع من المجتمع وجدت الأحزاب العنصرية الفرصة لتظهر في المشهد وتطفو على السطح. الزعماء الشعبويون الأكثر بروزا على مستوى القارة، مثل ماتيوسالفيني وزير الداخلية في إيطاليا، ومارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية، وألكسندر أوروبان رئيس وزراء هنغاريا؛ هؤلاء وغيرهم يعدون العدة لانتخابات البرلمان الأوروبي الذي سيعقد في شهر مايو من العام القادم (2019)، للدخول بخطة مشتركة للفوز بأغلبية المقاعد.
المبارزة على ما يبدو ستكون ساخنة بين اليمين المتطرف والليبراليين في هذه الانتخابات. وكما يبدو فالقارة الأوروبية تواجه مشكلة حادة لم تواجهها منذ الحرب العالمية الثانية، وهي تهدد استقرارها، وتحدث شرخا كبيرا في مجتمعاتها. في فرنسا يتقدم حزب الجبهة الوطنية بزعامة السيدة مارين لوبان للبروز في المشهد السياسي، في حين يشن الفاشيون الجدد أحفاد هتلر وموسليني حربا ثقافية على النخب السياسية الفرنسية التي في السلطة، وهم يتحركون إعلاميا في مواقع كثيرة لكسب مؤيدين جدد، مستخدمين الوسائل الثقافية المختلفة؛ كتب، مسرحيات، منشورات، ندوات يدعون فيها أدباء من نفس التيار.
الحرب ليست سياسية فحسب، بل وثقافية أيضا، واليمين المتطرف يعرف أهمية تغيير الأفكار لكسب المزيد من المؤيدين في الانتخابات. هذه الحرب باتت تهدد استمرارية الاتحاد الأوروبي في حد ذاته، فبريطانيا تسبق الجميع للانفصال، وزعماء شعبويون آخرون من أوروبا الشرقية يهددون بالإنفصال، ويرتفع شعار ترامب اليميني: (أمريكا أولا) في واجهة حزب رابطة الشمال الإيطالي الذي يتزعمه ماتيو سالفيني بشعار (إيطاليا أولا)، وتحت هذا الشعار إزدادت شعبية سالفيني وحزبه، حسب استطلاعات الأيام الأخيرة. في نفس الوقت فالأحزاب اليمينية المتطرفة في كل القارة بدأت تتهيأ بشكل جماعي ومن أجل اكتساح انتخابات البرلمان الأوربي في شهر مايو القادم، لفرض أجندتها العنصرية. الزعيم الإيطالي ماتيوسالفيني يطفو كقائد لهذا التكتل الذي بدأ بتأسيس الجبهة الشعبوية الأوروبية. ويبدو المشهد السياسي ناقصا دون الحديث عن الوجه الآخر للعملة، فالساحة ليست فارغة لليمين وحده، فهناك الأحزاب الليبرالية التي تكرست عقودا في الحكم، وهي تستند بدورها على قاعدة شعبية عريضة، ليس من السهولة بمكان تجاوزها، ما يجعل الصراع شديدا وحادا، فكلا التيارين له قوة مؤثرة في الشارع. المجتمعات الأوروبية المعتادة على التسامح وقبول الآخر لن تستسلم لهؤلاء النازيين والعنصريين الجدد. في برلين العاصمة تخرج مظاهرة من 150 ألف متظاهر ضد العنصرية وكراهية الأجانب. شعار التظاهرة يقول (من أجل مجتمع منفتح حر، التضامن بدلا من الإقصاء)، وزيرالخارجية الألماني هايكوماس يتضامن مع المتظاهرين ويصرحً: (لن نسمح مطلقا بإنقسامنا على يد شعبويين يمينيين)، ورأى هايكوماس (أن المشاركة الكبيرة في التظاهرة تشير الى أن غالبية المواطنين في ألمانيا يدعمون التضامن والانفتاح على العالم) ويقول أيضا: (إن تنوع الأصول وألوان البشرة والأديان وأنماط المعيشة إثراء لنا وليس تهديدا).
المتظاهرون بدورهم في تظاهرة المائة وخمسين ألف حملوا لافتات تقول: (لا للتحريض ضد المسلمين)، و(العنصرية ليست بديلا). ينبقي أن نعرف أن الغرب المتحضر يرتكز على تراث من الثقافة الإنسانية التي تحترم كل الأديان والشعوب والأعراق، وهي ثقافة تمتد زهاء ثلاثة قرون كرست هذا الاعتقاد.
لكن المسألة باتت مقلقة للجميع، ويخشى الكثيرون من التغير الديموغرافي لأوروبا في العقود القادمة، وفيما يحدد الأوروبيون النسل ويكتفون بطفل أو طفلين، لا يوجد تحديد نسل في دول العالم الثالث، وهناك 66 مليون لاجئ ومشرد في العالم جراء النزاعات والفقر وشح الموارد، حسب تقرير مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة؛ أي أن الفيضان البشري على الغرب قابل للزيادة، في زمن أصبحت فيه الشعوب الفقيرة، بسبب ثورة الاتصالات تتابع الشعوب الغنية في الغرب، كما أن هؤلاء الهاربين من الجحيم باتوا يعرفون الأعراف الدولية التي تلزم الدول باستقبال اللاجئين ورعايتهم.
عالم صغير متعارف، وشعوب أنهكها الجوع والقتل والتدمير، تتجه الى البلدان الغنية لاجئة تستنجد بها لتشاركها في الثروة، كيف ستنتهي هذه التراجيديا؟ لا أحد يعرف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا