النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10878 الأحد 20 يناير 2019 الموافق 14 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:06AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

رسالـــة إلــى أبي

رابط مختصر
العدد 10797 الأربعاء 31 أكتوبر 2018 الموافق 22 صفر 1440

مرت ذكرى وفاتك يا أبي غفر الله لك وأسكنك فسيح جناته، ومازالت كلماتك ترن في مسمعي منذ أن كنت طفلاً مصاحبًا لك في تنقلك من الجسرة إلى البديع مشيًا على الأقدام من ساحل الجسرة إلى ساحل البديع الغربي وطوال الطريق تروي لي قصص الجيل الذي سبقك وجيلك وما صادفوه من مشاق وما تحلوا به من صبر، وتسامح، والمحبة لأهلهم وجيرانهم وأصدقائهم، لم أشعر يومها بطول الطريق، فقد كنا نمر بالمزارع ونشرب الماء من العيون ونأكل الرطب من النخيل الباسقات، وربما صادفتنا شجرة اللوز، وشجرة التين فنأكل منها، دون أن ينزعج أو يغضب صاحب المزرعة، بل يُعد ذلك تبركًا وأجرًا له من الله الثواب، ففي كل قطرة ماء وثمرة يأكلها عابر سبيل تعد صدقة جارية، طالما لم يتم العبث بالمزروعات والنخيل والأشجار، بل ربما قدم لنا القهوة وتجاذب معنا أطراف الحديث.. كانت القناعة شعارهم وكان الشعور الجمعي يغلب على الفردية والأنانية. كان الساحل من خلال رمله الناعم و«الصبان» الذي هو عبارة عن حلزونات هجرها من كان يعيش فيها بمنزلة مكونات جميلة يداعبها الموج بين المد والجزر، وكان الناس يزينون أحواش بيوتهم بهذا «الصبان» ناصع البياض، وكانت البيوت عندما ينزل المطر لا يترك أثرًا من البرك الصغيرة في الحوش، فالصبان يمتص الماء ويزداد نظافة ونضارة، وكانت وصايا أهلنا عندما نذهب إلى الساحل أن نحضر معنا بعض «الصبان» لنضيفه إلى الصبان الذي هو في الحوش.
والدي لقد كنت أحرص الناس على دراستنا، وعندما أصبح أخواك سلمان وصالح في سن المدرسة، كان حرص الجد يرحمه الله محمد بن صالح الذوادي على أن ينقلهم من الجسرة إلى البديع حيث المدرسة الابتدائية للبنين، والتمس من حاكم البحرين وتوابعها وقتئذ المغفور له بإذن الله تعالى سمو الشيخ سلمان بن حمد بن عيسى بن علي آل خليفة طيب الله ثراه أن يمنحه أرضًا في شمال البديع قريبًا من البحر فحقق الحاكم أمنيته، فكانت العائلة تنتقل أيام الدراسة من الجسرة إلى البديع، وعندما تحين عطلة المدارس الصيفية تنتقل العائلة من البديع إلى الجسرة طوال شهر الصيف.
كان حرصك يا والدي على أن يتلقى أخواك العلم وهو الشيء الذي لم يتحقق لك في طفولتك، لكنك عوضت ذلك بقراءة القرآن الكريم وختمه، ومواظبتك على تلاوته، وعندما التحقت بشركة النفط بابكو كان حلمك الالتحاق بمركز التدريب التابع للشركة المسمى «برنتس»، لكن لمقتضيات العمل لم تتمكن من إتمام الدراسة، لكن باحتكاك برؤساء الشركة ومديري الأقسام تعلمت اللغة الإنجليزية شفاهة، فكنت قادرًا على التفاهم معهم وتنفيذ الأوامر بدقة وصرامة جعلتك ممن يثقون بعمله ويحترمون أداء الواجب الذي اضطلعت به.
كنا نترقب مجيئك يا والدي مساء كل يوم أنت وأصدقاؤك من أهل الجسرة عند مدخل القرية، إذ تقلكم حافلة الشركة من العوالي إلى الجسرة، وكنتم تمشون من محطة وقوف حافلة الشركة إلى بيوتكم في الجسرة في منظر بهي يشعرنا ونحن أطفال بالفخر والاعتزاز بأعمال آبائنا في شركة النفط، وكان شعوركم يا والدي بأن ذريتكم يفتخرون بعملكم، وكنا نفرح بما تجلبونه لنا من مأكولات من مطاعم الشركة، وكان هذا المنظر يتكرر مساء كل يوم ما عدا العطل الأسبوعية أو الرسمية.
في حديث للذكريات استضافتني فيه إذاعة القاهرة البرنامج العام مؤخرًا، سألني المذيع المتألق أحمد الشاذلي ماذا تعلمت من والدك؟ فقلت له يا أبي: الصبر، والعمل الدؤوب ومحبة الناس ومساعدة من يحتاج إلى المساعدة قدر المستطاع والاندماج المجتمعي.
ومهما حاولنا يا أبي في زماننا فقد تغيرت أحوال وتبدلت الظروف، لكننا عشنا في زمن وجدنا كل ذلك متحققًا، وكنتم أجدادا وآباء مدارس علمتكم الحياة وظروفها، وبين فترة وأخرى نروي هذه القصص لأبنائنا وأحفادنا وإن اعتبروا ذلك كأنه من نسج الخيال، ولم يدركوا أنه كان متحققًا بشكل يومي في مجتمعنا وكان الناس قد ألفوا هذه الحياة البسيطة بكل جوارحهم وأحاسيسهم واعتبروا من يشذ عن ذلك منبوذًا أو منقطع الصلة عن مجتمعه.
ستظل ذكراك يا والدي ناصعة نستمد منها كل ما هو جميل ويربطنا بالوطن والمجتمع والناس.. عذرًا يا والدي إن لم يتحقق كل ما كنت تصبو إليه، فمهما تعذرنا بالظروف والملابسات وتبدل الأحوال، فإن علينا الدين بل كل الدين في أن نخلص لهذا الوطن ونبذل الغالي والنفيس من أجل عزته وكرامته وعلو شأنه، ومن واجبنا يا والدي أن نقف مع مجتمعنا في كل تطلعاته وآماله ورغباته، من حق وطننا علينا أن نساعد أبناءنا على نيل العلوم والمعارف في المدارس والحياة، من حق الوطن علينا يا والدي أن نكون كالبنيان المرصوص، أن نحب بعضنا بعضًا، أن يساعد بعضنا بعضا، أن نتسامح، أن نتفاهم، أن نتبادل الخبرات والتجارب، أن نعيش متحابين، تجمعنا المواطنة، نتصدى لكل ما يفرقنا ويدق إسفينًا في مسيرة حياتنا، أن نخلص في أداء واجبنا، لا نترك شاردة أو واردة إلا درسناها وتمعنًا فيها بما يعود علينا بالخير والأمن والأمان والإستقرار، والبناء والتعمير، رحمك الله يا والدي، ورحم الله الأجداد والآباء الملهمين لأولادهم وأحفادهم.
وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها