النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مليشيات الوهم الدونكيشوتية

حروب التزييف والتلبيس والتدليس..

رابط مختصر
العدد 10797 الأربعاء 31 أكتوبر 2018 الموافق 22 صفر 1440

المتابع لما يحدث في الفضاء الإلكتروني العربي من صراعات ومنازلات وهمية أو حروب دونكيشوتية، تصيبه الحيرة من شدة هذه المعارك التي تنفذها مليشيات فايسبوكية أو تويترية وهي جالسة في الماهي تدخن الشيشة أو في أعمالها المكسة المهملة، لتتفرغ إلى مقاتلة بعضها البعض بلا هوادة، فيما يشبه الحروب الكيمياوية والذرية الطاحنة التي لا تبقي ولا تذر.
هذه المليشيات التي باتت تقدر بالملايين المنتشرة من البحر إلى النهر العربيين مقدمة للاقتتال الأهلي، هكذا يقول لنا التاريخ القديم والحديث والمعاصر.
المليشيات سواء أكانت مسلحة أو غير مسلحة تظل مليشيات وتتصرف بعقلية المليشيات دون تردد: ترهيب ووعيد وتطرف وتعصب واستعداد دائم للاعتداء على «الآخر» حتى وإن كان هذا الآخر شريكاً في الوطن.
لقد تعودنا على مليشيات عسكرية في بعض البلدان، وهي في تركيبتها وأيديولوجيتها طائفية بالدرجة الأولى تنزع إلى بناء الكانتونات الجغرافية والسكانية الخاصة والملاذات الآمنة لجمهورها، بعيداً عن سلطة الدولة التي تتحول في مثل هذه الحالة إلى مجرد سلطة رمزية. ولكن الذي شهدناه خلال السنوات الأخيرة وبالتزامن مع الثورة الاتصالية، واتساع نطاق وتأثير واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ظهور ما يمكن أن نسميه بمليشيات إعلامية (توتيرترية - فيس بوكية - كيبوردية..)، تعمل بمنطق ميليشياوي وبأفق وبآليات عمل المليشيات الطائفية والعسكرية والعصابات المسلحة، لها نفس الأهداف، نفس التكتيكات، لكنها بوسائل قتالية مختلفة تتوجه بالدرجة الأولى إلى التزييف والإشاعة والفبركة والتحريض والكذب والتهييج والاثارة والتجييش، حتى وإن كانت القضية مزيفة أو لاأخلاقية ولا وطنية، أو كان الهدف مخالفاً للقيم معادياً للسلم الأهلي.
 المهم عندها هو العدوان والتعدي قمع الآخرين (حتى وإن كان هؤلاء الآخرون شركاء في الوطن والمصير). المهم هو إسكات مصادر النيران، وإلحاق الخزي والعار والأذى بالآخرين، بغض النظر عن مدى صحة المعلومات التي يمكن تداولها (فلا أحد تقريباً يهتم بالصدقية ولا أحد يهتم بالحقيقة وبصحة المعلومة) الكل يهتم بتحقيق هزيمة (الأعداء) الأيديولوجيين أو السياسيين أو الطائفيين فقط لا غير...
فالجميع تقريبا أصبح يلجأ إلى تجنيد مثل هذه المليشيات السرية أو العلنية المتخفية، وكلمة السر الوحيدة هنا هي: (بلا هوادة - بلا أخلاق - بلا حدود - بلا منطق - اكذب ثم اكذب...). فكثير من الجماعات اليوم تجند مليشيات حقيقية وتقيم لها «معسكرات ومنصات الكترونية وقواعد عسكرية» حقيقية في العواصم الغربية، لإدارة المعركة الإعلامية ضد الأنظمة السياسية في بلدانها، بمنطق المليشيات، وليس بمنطق السياسة: هجمات يومية، قصف إلكتروني مستمر، أسماء حركية ووهمية وراء ما يكتب، رموز وألقاب تذكرنا بالحرب الأهلية وبأسماء حركية إحالات رمزية...والمليشيات هنا يمكنها أن تكون طائرة متنقلة من بلد إلى آخر (وخصوصاً في البيئات المتعاطفة) لإدارة المعركة اللحظية؛ لقاءات تصريحات، مشاركة في مهرجانات خطابية، قصف طويل المدى بالصواريخ العابرة للحقيقة، أكاذيب منمقة، روايات مثيرة لاستدرار العطف والتعاطف... فيديوهات مفبركة، أسماء مستعارة وتأليفيات عجيبة خارجة للتو من تحت أصابع ماهرة في الغش والتدليس والتلبيس وفنون التزييف..الخ..
إن الاستمرار في استخدام مثل هذه المليشيات المأجورة (في الغالب تقيم في أوروبا على نفقة مجهول - معلوم) قد أدى إلى حالة من الفوضى العارمة في الرسائل المختلطة وفي الرؤية، بل في منع الناس من استيضاح الحقيقة من الكذب. وللأسف فإن الذين يرفضون الحوار ولغة الفكر والشراكة الوطنية هم الذين يبنون المليشيات الالكترونية وغير الالكترونية بكافة اشاكلها ويجلسون وراء متاريس العداوة المطلقة من خارج أفق القانون والقيم ويتسترون في كثير من الأحيان وراء عناوين حقوقية، أو يستفيدون مما هو متاح في بلدان أجنبية لإدارة معارك وإثارة النعرات، بدلاً من خدمة الناس وقضاياهم الحقيقية.
إنها قضية قائمة بذاتها وأسبابها عددية بعضها معقد، ولكنها تحولت إلى ظاهرة خطيرة في تأثيراتها السلبية على مجتمعاتنا.
فالمهم هو البحث عن مداخل للمعالجة الجدية لمثل هذه الظاهرة، عبر مقاربة مختلفة، تجمع بين تطوير اليات العمل، والمعالجة السياسية الفكرية والاجتماعية للمشكلات المتراكمة وآثارها المستمرة. ولذلك، من المهم مثلاً العمل على إعادة النظر في تنظيم المؤسسات الحقوقية بما يضمن استقلاليتها ونزاهتها وخدمتها لجميع المواطنين كمواطنين، والتمييز بين التعاون والتواصل الضروريين مع العالم، وبين التبعية للجهات الخارجية ضد المصلحة الوطنية. وتعزيز الجانب الاقتصادي - الاجتماعي باعتباره الشرط الأساسي لضمان نجاح الديمقراطية، وانعكاس ثمارها العملية على المواطنين. والعمل في ذات الوقت على إيجاد أفضل السبل الواقعية لحل المشكلات ضمن إطار وطني في أفق يراعي إمكانيات البلاد ومواردها، بحيث تكون جميع الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية محكومة بمنظور الشراكة الوطنية..
وحتى نقطع الطريق أمام الاقتتال الوهمي عبر المنصات الالكترونية المشوشة، لا بد من فتح أوسع حوار إعلامي وفكري وسياسي ممكن بين أجنحة ومكونات المشهد السياسي والفكري والإعلامي الوطني. والحوار هنا يكون بالضرورة بين مختلف التيارات والحركات الفاعلة على اختلاف مشاربها الفكرية والأيديولوجية (من خارج الأفق الطائفي والمليشياوي)، بما يؤدي إلى عزل الجماعات أو الافراد الذين يرفضون لغة الحوار والفكر والسلام والشراكة والحد من تأثيرهم في المجتمع، ومحاربة الفكر الأحادي الانعزالي المتعصب الذي يرى نفسه البديل المطلق لكافة التيارات والأفكار والرؤى الأخرى الفاعلة في الواقع.
إننا نحتاج دوماً إلى تجميع أوسع القوى الوطنية العقلانية القادرة على الالتقاء عند نقطة وسطى، (عند الوسط السعيد الممكن) من خلال محددات واضحة يتفق بشأنها الجميع، من خلال برنامج وطني مشترك يساعد على قلب الصفحة، وعزل المليشيات التشويشية وجعل عملها من دون تأثير حقيقي في الناس.
 
همس
قلب يخاف الموت المخادع،
يجلس على الربوة،
يهجره الصدى المسافر.
والبحر تظلله سماوات بيض،
وأجنحة حزن مقيم.
انعكاس الصورة في الماء،
وشرنقة الذاكرة المتبقية.
وقت يخبئني للحظة الأخيرة.
يحمل ذاكرة اللجوء إلى الضفة الأخرى.
في كل مرة تغرق الذاكرة،
يتسرب إلى فمه صوت الملح والغرقى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها