النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

العودة إلى فصل الديني عن السياسي

تحرير الفضاء السياسي من تسلط الخطاب الديني - الطائفي

رابط مختصر
العدد 10795 الاثنين 29 أكتوبر 2018 الموافق 20 صفر 1440

في الانتخابات أو في الدعاية السياسية الحزبية، يكثر التوظيف السياسي للدين وتسخير الدين لخدمة الأهداف السياسية، بل أصبحت هذه هي تقريباً القاعدة في العمل السياسي لجماعات الإسلام السياسي في البلاد العربية.
وقد أفضى هذا الأمر في الغالب إلى سيطرة التوظيف الديني - الطائفي على الفضاء السياسي العام، فاختلط الحابل بالنابل، ولم يعد الناخب قادراً على تبين الرسالة أو البرنامج السياسي للأفراد أو للجماعات الحزبية نتيجة لهذا الخلط. حتى أننا أصبحنا خلال الانتخابات نستمع إلى عبارات من نوع (الجماعة المؤمنة في مواجهة الجماعة الكافرة، (والجماعة الكافرة بالمناسبة هي كل جماعة تختلف معهم في الرأي أو الرؤية والموقف والمذهب والدين...) وهذا أدى في التجارب السابقة التي عايناه عن كثب إلى إجراء عملية انتقائية تزيد من تشويش الأمور في أذهان الناس، وبناء الالتباسات المعيقة للحياة السياسية الصحيحة القائمة على مبادئ الدولة المدنية التي تكون فيها العلاقة بين المواطن والدولة علاقة مباشرة، من دون وسائط، دولة القانون والحقوق والواجبات. وباختصار دولة المواطنة المتساوية.
ولذلك ترتسم عندنا صور افتراضية نمطية لمقدسات عديدة، منها صورة رجل السياسة، بوصفه «مقدساً» سياسياً، ومنها صورة رجل الدين، بوصفه «مقدساً» دينياً، وصورة رجل الطائفة باعتباره «مقدساً» طائفياً (أو خطا أحمر. بما يولد الخوف والرهبة منهم جميعاً، بما يسهم في النهاية في استلاب وعي الجمهور وإخراسه، كي يفتقد الناس إمكانية التعرف على السياسي والديني والطائفي في الواقع الاجتماعي، أي في السياق التاريخي والسياسي. وتكون النتيجة تحول قسم كبير من الناس إلى مجرد آلة تدار من خلال الشعارات.
لقد كان فصل الدين عن السياسة (وليس عن الدولة لأن الدولة في فضائنا العربي الاسلامي ملزمة باحترام الدين ومقتضياته ورعايته ونشر قيمه)، هو المبدأ الذي سارت عليه أغلب الدول العربية منذ نهضتها الحديثة، ونمطاً دافع عنه زعماء ومصلحون مسلمون متدينون بطريقة صريحة وقاطعة، باعتباره الطريق الذي سارت عليه البشرية منذ أن خرجت من ظلام العصور الوسطى، وباعتبار أن النموذج الإسلامي أصلاً قائم على المنزع المدني بمعنى غياب سلطة الكهنوت والمؤسسات الدينية الوسيطة، (كما يقول علي عبدالرازق في كتاب الإسلام وأصول الحكم). فثمة فصل حتمي للدين والكهنوت عن الدولة في كل المجتمعات الإنسانية المتقدمة تقريباً، حيث لا يمكن أن تتوحد المؤسسة الدينية والسياسية في أي مجتمع حضاري مدني.
ولذلك فإن الذين يحاولون اليوم استبعاد المواطنية كأساس للتعايش والعيش المشترك، يعمدون - لتكريس مصالحهم وتسلطهم على الناس - على المرجعية الطائفية - بكافة ألوانها - فيخوفون الناس من أن يكونوا أفراداً فيقولون لهم مثلاً: «إذا لم تؤمنوا بنا وبمرجعياتنا، فإن صلاتكم ومعاشكم ومماتكم كمؤمنين لن تقبل»!! هكذا هي الأمور تقريباً وفي الغالب الأعم!!
ولذلك، وحين تبدأ المجتمعات بالتعبير عن نفسها بهويات دينية أو طائفية أو عقيدية، فهذا يعني تراجع الدولة والدخول في نفق الانقسامات والصراعات والمواجهات وحتى صناعة الكراهية المنظمة في بعض الأحيان.
ومهما بالغنا في الحديث عن الحوار والتسامح، فإننا في ظل هذه البنى الصاعدة نعمّق أسباب التصنيف والتوصيف الفئوي ولن نجد قاعدة للمساواة بين المواطنين على أساس هوياتهم الدينية والطائفية الصاعدة في مفارقة عجيبة بين رفع شعارات الدولة المدنية الديمقراطية من ناحية، وبين تكريس الطائفية فكراً وشعاراً وممارسة وانعزالاً وتحالفاً داخلياً وخارجياً.
وهنا تتخذ الهوية شكلها الذي قد يفضي في حالات المواجهة إلى نفي الآخر حتى في بعض المجتمعات المصنفة متقدمة. إلا أن المخرج الذي وصلت إليه هذه الدول لتجاوز ثقل تركيبتها الدينية أو الطائفية والعرقية والمناطقية هو المواطنة كأساس للتعايش، يرتكز إليها هذا التنوّع، الذي يقوم على وفاق اجتماعي سياسي يتجاور الهويات بميثاق وطني شامل، كأساس لتصحيح مظاهر الفوضى في الاجتماع السياسي وعوائق التقدم الاجتماعي والثقافي في ذات الوقت.
المشكلة عندنا تتمثل في الادعاء والدعوة النظرية لتجاوز الطائفية من دون عمل شيء حقيقي لتجاوزها عملياً، بل عن أكثر الطائفيين طائفية يحاولون الظهور بأنهم دعاة تسامح. فيطرحون هذا التسامح على الأساس الطائفي - الديني التمييزي بين الناس، بعيداً عما يجمعهم، وهي إنسانيتهم التي يفترض بها ان تجمع وتلم شتات الإنسان على أساس من إنسانيته والتحديات التي يواجهها بنو البشر، وهي أيضا مواطنيتهم الجامعة وهويتهم الجامعة ضمن هذه المواطنية (نمط العيش - اللغة - الأهداف الجامعة - المصالح المشتركة - التحديات المشتركة..).
هؤلاء يتحدثون عن تسامح الأديان، بحيث يتعايش المسلمون مع غير المسلمين ويتعايش السنّة مع الشيعة، استلهاماً مما كان موجوداً في الماضي، من دون الاستلهام مما يجمعهم اليوم تحت مظلة الإنسانية الجامعة والمواطنية الجامعة أيضا، وفي مقدمة ذلك الحاجة إلى التأسيس للمستقبل المشترك. ومن الواضح، أنه وبالعودة إلى الماضي، يتم استبعاد الحاضر واستبعاد المشترك الإنساني الكامن في المساواة والمواطنة، وباستحضار الماضي واستبعاد الحاضر الجامع لا نلغي النزاعات، بل نكرّسها لأن الطائفيين (بكافة طوائفهم) ليسوا في الحقيقة ظل الله على الأرض، مثلما يدعي بعضهم، بل هم ظل مصالحهم على البشر وتكريس امتيازاتهم المادية والاجتماعية المعلنة وغير المعلنة، ولذلك فإن الأفق الوحيد المتاح أمامنا كبشر هو أن نحتفظ بإيماننا الحر، بأن نخرجه من لعبة السياسة والسيطرة والمتاجرة، ونخرج الطائفيين من سلطة إيماننا وتسلطهم عليه وتوظيفه لصالحهم ومصالحهم، ولنتحرر بإيماننا الفردي، يجب أن نكون مواطنين لا طوائف، ولا تبعاً للفقهاء المقدسين والمرشدين الدينيين.
لقد نجحت الماكنة الطائفية في جعل المجتمع يعيش بكامل طوائفه وطبقاته الاجتماعية ازدواجية واضحة في مجال الانتماء السياسي على أسس طائفية وليس على أسس وطنية. فالعصبية الطائفية وعي موروث من مرحلة ما قبل بناء الدولة الحديثة التي تكتسب شرعيتها لدى مواطنيها من خلال الارتقاء بالانتماءات الموروثة إلى الانتماء الوطني أو القومي، فيتجدد الوعي الطائفي الموروث من خلال النشاطات التي تقوم بها مؤسسات المجتمع الأهلي.
تلك هي المشكلة في تقديري، ولكن الحقيقة أنه لا يمكن إلغاء الطائفية السياسية، إلا في إطار إصلاح تدريجي لمعوقات بناء الدولة العصرية غير الطائفية. فإلغاؤها يجب أن يأتي في سياق تطبيق الديمقراطية ومدنية الدولة، والتوقف عن توليد أجيال طائفية!
ولا شك في النهاية إن الحد من الطائفية وتأثيرها يأتي مع بناء دولة المؤسسات والقانون وتعزيز الحكم الرشيد والتنمية المستدامة.
 همس
النوافذ طريق الروح،
فلا تسدي نوافذي، ولا ضجري،
ابحث عن سفر ليلي،
وأنت في السفر
والسفر في رأسي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها