النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

يوم من أيام الهزال العربي

اللغة العربية.. «رايحة على فين»؟!

رابط مختصر
العدد 10790 الأربعاء 24 أكتوبر 2018 الموافق 15 صفر 1440

استمعت قبل فترة إلى إحدى مذيعات التلفزيون العربي، وهي تقرأ نشرة الأخبار باللهجة العامية بكل فصاحة، من دون أن يكون هنالك أي مبرر لهذا التبسيط المسكين، ولا لهذا الهبوط إلى الدرك الأسفل في الأرض السابعة.
المهم أن المذيعة قد كانت جميلة، يتفشى الرقص والاهتزاز في كل أنحائها، تلوي عنق اللغة ليًّا، تخرج الحروف من بين الأسنان والشفاه وسقف الفم والحنك الأعلى منسلة متسللة من دون حواجز أو تضعيف، تعادي «الشين» و«الراء» فتصبح «العشرون» في فمها رقراقة «إشررين» و«الراء» تغدو «آءً».. والطاء «تاء».. وطيب تصبح «تيبا» من دون أن يكون للإفشاء والتخفيف موضع أو مقام سوى إظهار مزيد من الرقة المصطنعة والمنزلة الارستقراطية المتكلفة.
المهم أن المذيعة التي لا تمتلك من المؤهلات الإعلامية سوى بياض البشرة ورخاوة النظرة وتهدل الشعر ومياسة القد واتساع الحدقة وبياض الأسنان واحمرار الشفاه.. كانت مجرد صورة بلا حياة، من دون ذكاء، ومن دون إبداع، بل ومن دون روح..
نفس تلك اللغة التي قرأت بها المذيعة الجميلة المستفزة ببياض أسنانها المزيف المصطنع، تحدث بها مذيع التنشيط الهزلي لبرنامج النجوم المزيفة، وهي نفس اللغة التي حررت بها مذيعة الرياضة العربية موجزها الاخباري لنتائج مباريات كرة القدم والكرة الطائرة وكرة المضرب والقفز على الحواجز العالية.
مذيعة أخرى عادية الجمال، ثقيلة الظل مصبوغة الوجه، عندما تتكلم يبدو كأنها تلقي خطاباً في ساحة خالية من الجمهور، أو كأنها تقوم ببروفة مسرحية في الواحدة ظهراً، أو تنشد نشيداً عسكرياً في جوقة نازية. فتدخل بعضك في بعضك برتابتها وثقل ظلها ودمها وبلادتها، باهتة ساذجة مغرورة، تتكلف الابتسام وتحاول لعب دور الحكيم. تطل عليك من عل في ثقل الصخر المضجر.. لكنها عندما تتكلم بلغتها الخاصة، لن تستوعب منها جملة مفيدة واحدة، لأنك ستنشغل بأسنانها البيض أكثر مما تنشغل بما يصدر من بينها.
المهم أن هذه الجوقة تتصرف بما يشبه المؤامرة على اللغة العربية الجامعة نظرياً على الأقل في الإعلام العربي الرسمي كما تنص على ذلك الدساتير والقوانين!!. وبين صورة المرأة في التلفزيون وصورتها في الفيديو كليب، وحديث الركاكة لأولئك الشباب في المقاهي السوداء، خيط واحد يقول بأن المرأة العربية مازالت -رغم انخراطها في الحياة العامة- تستخدم كخلفية للصورة كشيء مثير لا أكثر ولا أقل، وهي -في الاتجاه العام طبعاً- حريصة على أن تتقن هذا الدور. (من دون أن ننسى الصورة الأخرى الناصعة المشرفة للمرأة الجادة والمناضلة والمثقفة في ساحات العلم والثقافة والإعلام والأدب والصحة والرياضة والترفيه أيضا)..
الوجه الثاني لهذه الظاهرة العجيبة تتمثل في جحافل من الشباب العربي الذين يفترض أن تكون ألسنتهم عربية، على الأقل لأنهم درسوا اللغة الأم - ضمن متطلبات الهوية الوطنية في بعض مدارسهم الخاصة، عندما تستمع إليهم وهم يتحدثون في مقاهيهم الخاصة، لا يتشرفون على ما يبدو بالحديث بهذه اللغة، لأنهم يرونها غير مفيدة أو ثقيلة على اللسان، ويصيبهم نوع من الاحتباس اللغوي وهم ينطقون أسماءهم بها. فما بالك بعبارات بسيطة من نوع صباح الخير، ومساء الخير، ودوام الحال، وعظم الله أجرنا فيكم، فهم لا يفرقون بين الخبزة والكسرة، ولا بين الدقيق والسميد، ولا يبدو أنهم استخدموا في حياتهم جملة فعلية ذات معنى!
]   ]   ]
المؤامرة تستكمل صورتها الثالثة تلك اللوحات الإعلانية المعلقة في كل مكان، بعضها يتحول إلى لغز أبجدي وبعضها يكتفي بتحويل المبتدأ إلى مضاف إليه والتمييز إلى فاعل.. وعندما تسأل يأتيك الجواب موحداً: (كله واحد)، فينتصب السؤال الحائر: لماذا؟
.. في الشوارع والأسواق.. تصدمك تلك اللوحات الإعلانية التي كتبت بحروف عربية ولكن لا علاقة لها بلغة الضاد، وكثير منها، وخاصة اللوحات التجارية، تشكل مساساً واضحاً بهذه اللغة التي نتغنى بأنها اللغة الرسمية. اللوحات كتبت وخطت بلغات متعددة: بالإنجليزية، بالهندية، ومنها ما كتب بالحروف العربية مع المحافظة على التسمية الأجنبية، ومنها ما كتب بالعربية، ولكن مع وجود أخطاء واضحة وفاضحة ومضحكة.
سألت المسؤول بأحد المحلات التجارية، عن اللافتة الإعلانية المكتوبة بالإنجليزية المعربة شكلاً لا مضموناً والتي تقف على رأس المحل، فجاء رده يحمل دهشة المفاجأة من السؤال نفسه، هزَّ كتفيه باستخفاف وعلق قائلاً: هذه مسألة تجارة ولا علاقة لها باللغة أو بالفلسفة، والتاجر يختار اللافتة الإعلانية بحسب ما يراه صالحاً لخدمة محله وتجارته.
 قلت بأدب: إننا لا نتحدث عن الأذواق والأمزجة، وإنما نتحدث عن اللغة التي تعبر عن هذه الأذواق والأمزجة، خاصة وأننا في بلد يتكلم اللغة العربية ولغته العربية هي اللغة الرسمية. فاكتفى بالقول: أغلب المحلات التجارية، تعتمد نفس الأسلوب (هاوس، ستور، ليمتد..) وأظن أن المسألة مرتبطة بوجود جاليات أجنبية كبيرة، فضلاً عن ذلك فإن أغلب الناس يجيدون اللغة الإنجليزية. ولذلك فلا أرى أين المشكلة؟..
صاحب محل عطور كتب بخط جميل على ورقة كبيرة علقها في مدخل المحل الجملة التالية: «ستكون المحل مفتوح حتى نص الليل»، قلت له (وهو عربي): ألا تجد في هذه الجملة خطأ، فقرأها وأعاد قراءتها مراراً، وتكلف ابتسامة عريضة قائلاً: لا أدري والله.. ولكن قد يكون هناك خطأ ما دمتم تقولون ذلك وأنا غير متخصص في اللغة العربية ‍‍!.. يكفي أن يفهم الزبون الرسالة، وعلى العموم، فإن الذي خط هذه اللوحة ليس عربياً، ولا يعرف من اللغة العربية غير أشكال حروفها.
وعندما قلت له: إن في هذا الخطأ (المعلن بالبنط العريض) إساءة للغة العربية، علق باستخفاف: (أنتم تكبرونها.. هذه حكاية فلصو..).
همس
هذا المُنتهى
فإلى إين المفر؟
هل للنسيان من سبيل؟
أيتها القبرة،
الفارة مني.
كيف السباحة اليك
عبر أسيجة اللحظة الهاربة؟
أيتها القبرة الحزينة،
تعالي نُعانق سدرة المنتهى
السماوية،
نركض تحت مطر لا يأتي
تعالي ننام مع النجمة الراحلة بسلام.
نعزف موسيقى الذهاب،
 في شرفتنا الأخيرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها