النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

عاصــــمة اللــؤلــؤ

رابط مختصر
العدد 10781 الاثنين 15 أكتوبر 2018 الموافق 6 صفر 1440

المدينة القديمة (المحرق) لم يكن اختيارها عاصمة للثقافة الاسلامية 2018م من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) محض الصدفة، إنما جاء للموروث الكبير والشواهد التاريخية الحية التي تتمتع بها تلك المدينة الضاربة في الجذور؛ لذا كثر الحديث هذا العام عن المدرسة الوطنية وأم المدن (المحرق)، كما وصفها جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة في الكثير من المحافل!.
لقد احتفظت تلك المدينة بمكانتها الاقتصادية حين تبوأت المراكز الاولى في جمع وتصدير اللؤلؤ الطبيعي، فقد كانت مدينة اللؤلؤ هي العاصمة القديمة للبحرين خلال الفترة من 1810 الى 1932م، وكان يخرج منها أسطول بحري كبير لصيد اللؤلؤ في رحلة سنوية تستمر أربعة أشهر صيفية، لتنتعش معها الحركة الاقتصادية من بناء سفن الصيد وصيانتها، وشراء مستلزمات السفر والبحر وتوفير المؤنة، وتسجيل اسماء البحارة بوظائفهم المختلفة، غيص وسيب ورضيف وتباب.
 لقد ساهمت صناعة اللؤلؤ في ازدهار العاصمة القديمة (المحرق) وأصبح اللؤلؤ علامة فارقة لهذه المدينة التي تميزت بالبناء المعماري الجميل مثل بيت الشيخ عيسى بن علي وبيت سيادي الأثري، ففي الفترة التي كانت فيها (المحرق) تُبنى بيوتها من الحجارة البحرية والطين كانت بيوت بعض المدن الخليجية لا تزال تصنع من الخشب وعروق النخيل مثل (البرستيي)، لذا لا تزال (المحرق) تحتفظ بالكثير من البيوت القديمة التي تعود الى ما قبل بدايات القرن العشرين.
لقد حافظت (المحرق) على نسيجها المعماري ونمط شوارعها وطرقاتها ودواعيسها الضيقة الملتوية، لذا تكتب جمالها وعبق تاريخها من تلك اللوحة المعمارية الجميلة، ورمزيات الهوية العربية العريقة التي تشكلت في مناطق تسمى فرجان، ومفردها الفريج وهو المكان الذي يفتخر وينتسب الشخص له، ويفرح كثيراً حين يسأل: «من أي فريج أنت؟!».
وكانت سفن صيد اللؤلؤ تتزود بالمياه العذبة والأغذية قبل خروجها في عرض البحر، وكانت تحفظ مياه الشرب في خزانات كبيرة أسفل السفينة، وإذا أوشك الماء على النفاذ فإنها تذهب الى أقرب (جوجب) في قاع البحر حيث يفور منها الماء، وقد كانت (الجواجب) منتشرة وبكثرة في مياه الخليج وبالقرب من البحرين تحديداً، وأحيانا يتم إيصال الماء ومواد الغذاء بواسطة سفن خشبية، وقد كانت لجدي النوخذة ابراهيم بن عبدالعزيز الجودر سفينة اسمها (الرازجية) تقوم بمهمة تزويد سفن صيد اللؤلؤ بالماء العذب والأرز والتمر والقهوة والشاي والسكر وغيرها.
ويتكون طاقم سفينة صيد اللؤلؤ من النوخذة (قائد السفينة)، المجديمي (نائب النوخذة)، الغيص (الغواص)، السيب (الساحب)، الرضيف (مساعد الساحب)، وكذلك التباب (المعاون على ظهر السفينة وهو يقوم بمهام متعددة وبعد ان يكتسب الخبرة يترقى الى وظيفة الرضيف).
وكانت هناك أعراف سائدة لتمويل البحارة وتزويدهم بالأغراض التي يحتاجونها وهي على ثلاثة انواع: (التسقام) وهي التي تمنح بعد شهرين من موسم الغوص، و(السلف) وهي التي تمنح قبل موسم الغوص لإعالة أهالي الغواصين في فترة غيابهم، وهناك (الخرجية) وهي تكملة السلف الاول.
ويعتبر صيد اللؤلؤ من المهن الرئيسيّة خاصة في فترة ما قبل ظهور النفط في العام 1932م، وقد ازدهرت هذه المهنة في الخليج العربي لقرون طويلة ولربما تعود للقرن الثالث قبل الميلاد، وقد شهدت (المحرق) نشاطاً كبيراً حتى اعتبرت عاصمة اللؤلؤ، وقد كانت صادرات البحرين من اللؤلؤ في العام 1877م ما يعادل ثلاثة أرباع صادرات البحرين.
واللؤلؤ بعد نهاية موسم الصيد يتجه الى عدة مدن ومنها مدينة مومبي (بومبي) بالهند والتي تقوم بتصنيفه وتنسيقه وثقبه ثم اعادة بيعه، والعاصمة الفرنسية (باريس) والتي اشتهر لديها تاجر المجوهرات واللؤلؤ جاك كارتييه الذي اجتمع بكبار تجار اللؤلؤ في البحرين من أمثال مجبل الذكير وسلمان بن حسين بن مطر في العام 1912م، والعاصمة البريطانية (لندن)، ونيويورك بالولايات المتحدة الامريكية، وقد كانت المنافسة شديدة بين تلك المدن لنيل أرقى وأجود أنواع اللّؤلؤ من موطنه الأصلي (البحرين) وتحديداً العاصمة القديمة (المحرق).
وقد كانت لتجارة اللؤلؤ مجالس يتم فيها تناول القضايا ذات العلاقة، وفي الغالب تكون المجالس لكبار التجار والشخصيات البارزة والأثرياء، وتلعب تلك المجالس دوراً كبيراً لحل النزاعات والخلافات التي تحدث، وقد تطور الامر الى أن تم تدشين محاكم خاصة بالغوص وتعرف باسم مجالس (سالفة الغوص)، وهي كذلك لفك النزعات وبشكل سري حفاظاً على خصوصية الموضوع وسمعة المتخاصمين.
من هنا كانت صناعة اللؤلؤ رافداً من روافد الثقافة في العاصمة القديمة (المحرق)، لذا فإن الدخول الى أعماق تلك المدينة والتوقف في طرقاتها واسواقها نجد نفحات الثقافة وعبق الماضي الجميل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها