النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الاتكاء على عكاز الوجود..

من مدن النخيل إلى المدن الذكية

رابط مختصر
العدد 10781 الاثنين 15 أكتوبر 2018 الموافق 6 صفر 1440

قالت: أحب المدن النظيفة المنظمة حتى تكاد تكون مثالية في نظامها ونظافتها ودقة الحياة فيها.
قلت: وأنا لا أحب كثيراً مثل تلك المدن الكارتونية المسطرة بالمسطرة إلى حد المثالية، كأنها عدلت بالفوتوشوب. أكره المدن التي يمنع فيها الغناء والهرولة، ويمنع فيها الوقوف أكثر من ربع ساعة عند حافة الطريق، ويكون فيها الجلوس على الأرض ممنوعا والنوم في الحدائق ممنوعاً، والتدخين في الهواء الطلق ممنوعا. والصراخ ممنوعاً. مثل هذه المدن لا يحلو لي فيها عيش.
قالت: أنت فوضوي لا يعجبك التنظيم والترتيب مثل كثير من الرجال، فالمدن النظيفة المنظمة تخنقكم لأنكم لا تستطيعون العيش إلا خارج سياق الترتيب والتنظيم، مثلما تفعلون داخل البيوت، نفس العقلية تقريبا. في حين ان العيش في سياق مدينة مرتبة منظمة مسطرة بالمسطرة، يسهل الحركة والحياة ويعطيها معنى جميلاً مريحاً.
قلت: أتفق معك في أن التنظيم والترتيب مهمان، ولا أحد يكرههما، ولكن العيش في مدن آلية يخنق، لأن البشر فيها يتحولون إلى شخوص الية، يمشون مثل الروبوتات، ويأكلون وجبات من البلاستيك، ويشربون قهوة في كؤوس من الكارتون، ويجلسون على كراس من البلاستك منتظمة في سطور مثبتة في الأرض، لا تتحرك ولا تصدر أصواتاً ولا تلتفت وأنت جالس عليها يميناً أو يسار أو خلفاً. الناس فيها يجلسون في مطاعم بلا شرفات وفي مجمعات من دون شمس ولا هواء ولا طرقات. ينشغلون بآلات زجاجية بين أيديهم طوال الوقت، موجودون وغير موجودين، منقطعون عن الداخل ومرتبطون بالوهمي الافتراضي.
إني أحب المدن التي بها النخيل والصفصاف، تشقها الأنهار أو تضرب ضفافها الأمواج، من جهة او جهات. أحب المدن التي يكون فيها الجلوس على الأرض مسوحا به والتدخين والغناء والبكاء والعزف والرقص والسير من دون حذاء، قواعد المرور فيها خفيفة متسامحة، والحوانيت لا تقفل مبكراً، والعشاق يجلسون تحت السور العتيق باطمئنان يقرأون في أوراق الحب من دون تحريم أو تحجيم.
قالت: هذه رومانسية منتهية بائسة، العالم اليوم بتحدث عن المدن الذكية وانت تريد إرجاعنا الى بداية القرن العشرين قبل الحداثة والسيارة والانترنت. المدن التي تعتمد على التنمية المستدامة والجودة العالية لحياة السكان، والنظام الالكتروني الدقيق في الحياة والحاجات والعمل والبنوك والمواصلات والطلبات، كل شيء مبرمج، ويمكن لسكانها الوصول إلى أي تطبيق والتحكم بوظائف متعددة بكبسة زر أو رنة هاتف أو بريد الكتروني، يمكنك أن تجلس في البيت طوال الوقت دون الحاجة إلى الخروج إن أحببت كل شيء قابل للتوصيل. هي باختصار شديد المدن التي يستطاب فيها العيش، كل شيء مبرمج مرتب بالثانية، فهي أكثر من مجرد مدن حديثة، هي مدن الأحلام والمتعة الخيال والراحة بالتمام والكمال، تعتمد على الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحديثة. الازدحام فيها مرتب منظم أو والحوادث المرورية نادرة او مستحيلة... إنها عالم يفوق الخيال، ولكنه عالم ممتع وفائق الجمال. أما أنت الذي يدعي أنه مثقف، فإنك تبحث داخل فوضى نفسك عن فوضى تضفيها على الأشياء من حولك. أن تكون مثقفا لا يعني أبداً أن تكون فوضوياً، ولا يعني أبداً إعادة انتاج تك الصورة النمطية عن مثقفي المدرسة الوجودية من الفوضويين.
قلت: أن أكون إنساناً طبيعياً، هذا كل ما أريده. أن تكون مثقفاً هو أن تكون محبّاً للحياة، هو ان تكون كاتباً جوالاً وقارئاً في مدن المقاهي والصفصاف وعلى الأرصفة المزينة بالنخيل، ان أكون مثقفا معناه عندي أن أكون عربياً، في جميع الأحوال والفضاءات، ومهما تغيرت الجغرافيا هي ان أكون أنا نفسي دون ماكياج او تزييف، أن أعيش في مدينة تتنفس الطين والنحيل والبحر. مدينة تسمح لي بشرب ماء النخيل والقهوة العربية والجلوس تحت نخلة باسقة، والتدخين متى ما رغبت، وأن أطأ اعقاب سجائري بقدمي الحافية.
قالت: أنت الضائع في زحمة الجغرافيا والألوان والمدن والتخريف العروبي بعيداً عن الواقع، لأنك لا تحتمل إلا نفسك ولونك وعروبتك الدعية، فيما العالم من حولك لترى المدن «الكوزموبوليتانية» كيف تنتشر!
قلت: عندما أسير في شوارع المنامة القديمة وأرى كل تلك الوجوه الملونة العدنانية، والكنعانية، والفينيقية والهندية والتركية، من العرب والزنج والعجم، فلا أرى في الحقيقة إلا الإنسان، يلفه المكان والنور والظلال والفرح والحزن والذاكرة والنسيان في رحلة الهواء الطلق، رحلة البناء والحياة، لا يعبأ بالهراء الطائفي ولا بالهويات المعلبة. ولكن حتى هذه الطوائف والأولوان الغنية بالتنوع، لم تستقل بثقافاتها سوى لإيقاظ الضغائن في الغالب، بدلا من بناء الثراء. لم تستثمر بعد لبناء ثقافة متعددة، قد يحسدنا عليها العالم!
عندما أسير في مثل هذه المدن (القديمة - وهو تصبح عصرية ببطء شديد وتقاوم الذكاء الاصطناعي الكاسح الزجاجي بعناء وعناد) استشعر بأني ما أزال إنساناً يتكئ على عصاه الخشبية، ويمشي بهدوء إلى مطعم الأكلات الشعبية على حافة الطريق العام، فلا يجد فيه مكانا إلا بصعوبة بالغة، فيطلب تلك الأكلة الشعبية الأكثر شهرة، واستكانة شاي من البلور المقوى.

همس
إن اختزال الوحدة الوطنية في مجرد الانتماء اللفظي والشعارات المفرغة من المحتوى، دون أن ربطها بقيم المواطنة والحرية ودولة المؤسسات واحترام القانون، لا يمكن أن يؤدي إلى ترسيخ الوحدة الوطنية، مهما تحدثنا عن ذلك، لان مجرد الحديث لا يخلق واقعاً ولا يجسم الأهداف والحقائق على الأرض. فوعي الناس بالمواطنة يرتبط بالضرورة بمفهوم وانتماء مواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة، ضمن هويةً وطنيةً جامعة وشاملة، لا تكون تعبيراً عن موقف سياسي ضيق، بما يجعل الهوية عامل توحيد وتقوية وتفعيل للحراك السياسي الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وأساساً راسخاً لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة واستكمال بناء مؤسساتها المعبرة عن وحدتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها