النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

المبدئية في مواجهة الانتهازية والبلادة..

رابط مختصر
العدد 10776 الأربعاء 10 أكتوبر 2018 الموافق غرة صفر 1440

أن تكون معارضا، أو تكون محايدا، فهذا حقك وهذا شأنك في ذات الوقت، لا أحد يتدخل في ضميرك ولا في خياراتك الفكرية والسياسية. المهم هو أن تكون مبدئيا واضحا، ولا تلعب على الحبال. فالناس تحترم الموالين المبدئيين، كما تحترم المعارضين المبدئيين الملتزمين بقيم المعارضة الوطنية. وحتى في عالم الصراعات والقتال على الجبهات، يحترم القادة العسكريون والضباط والجنود العاديون أعداءهم المحترمين الوطنيين المبدئيين الذين لا يبيعون الأرض والعرض.
 فهناك «أعداء» لا تملك سوى احترامهم، لأنهم مبدئيون، صادقون مناضلون من أجل مبادئ واضحة، يحكم سلوكهم قيم ثابتة، يواجهونك صراحة، وجها لوجه، يختلفون معك، ويعلنون على رؤوس الأشهاد أنهم سيحابونك (فكرا وموقفا لا شخصا واسما).. ولكن هناك «أعداء» لا تملك إلا أن تحتقرهم بعمق شديد، لأنهم صغار جدا، تسمع عنهم أكثر مما تراهم، يسمعون عنك ولا يريدون أن يروك إلا منسحقا صغيرا ذليلا انتهازيا بائعا للضمير متنقلا من صف الى صف ومن مجلس إلى مجلس ومن ولاء إلى ولاء مثلهم تماما.
هؤلاء هم من نسميهم-تلطفا وتظرفا-بالمهرجين؛ لانتهازيتهم المكشوفة ولبلادتهم الرهيبة ولأخلاقهم الدنيئة ولشطارتهم الركيكة، فهم أقرب إلى الوباء الاجتماعي المستشري، لا دين له لهم ولا ملة، ولا قيمة ولا قيم، شعارهم الأثير هم الأثير: من تزوج أمي أقول له عمي، لا نعمل ولا نترك من يعمل، لا نرحم ولا نترك من يرحم... هؤلاء المساكين يحيون – كباقي الطفيليات في الأرض والبحر والجو- على استغلال الظروف وبيع الأقلام والكلمات بالفلس والدينار، وقوتهم أنهم يمتلكون القدرة على تصوير أنفسهم كأبطال ومناضلين وأصحاب رأي حر ومضطهدين بسبب هذا الرأي- مع أننا نعرف تاريخهم وأصلهم وفصلهم ومواردهم وعلاقتهم المشبوهة- يفضلون الرقص على السلم على وحدة ونصف لمن يدفع أكثر.. هم يعلمون ذلك وفي جلساتهم الخاصة يعلون عنه دون خجل، ولكنهم من كثرة التهريج، ينسون أصل الحكاية وفصلها..أدوات عملهم النفاق والتقية، وعندما تلقى بك الأقدار أمامهم، سيحيونك كأنك ابنهم البار أو صديقهم الودود، قد يجالسونك ويبتسمون لك، ولكنهم يجرون حوارا باطنيا داخلهم يستبيحون فيه عرضك ودمك ووجودك....
بعض هؤلاء المهرجين يعيشون بين ظهرانينا، يحصلون على المغانم يأكلون الغلة ويسبون الملة، يلهفون وبعضهم يجلسون في عواصم الرفاه، يتنعمون بالهدايا والعطايا وحفلات السفارات الأجنبية ومآدبها الليلية وسفراتها المجانية، بعضهم يقرظ الأشعار والمتر والدينار، وبعضهم بعضهم تحول إلى «منشار يأكل في الرايح وفي اللي الجاي»..
المشكلة أننا نعرفهم، نعرف خبثهم وكذبهم وانتهازيتهم وتقلباتهم ويعرفون ان القيم تمنعنا من تعييرهم، وكشفهم على العلن أمام الناس، أو التشهير بهم، فهم مختصون في صناعة الإحباط ونشر الأكاذيب بين الناس (اللي جوه والناس اللي بره)، أصيبوا بعاهة مستديمة صنعت لها مضادات لابتلاع أي نجاح، فأصبحوا قاصرين عن تحقيق وجودهم إلا بوسيلة واحدة هي تحويل الحقائق إلى أوهام، وتحويل الأكاذيب إلى حقائق، بالكلمة والصورة، قدرتهم على الفبركة وصناعة الرغبات لا محدودة.
الوجه الاخر لمثل هؤلاء، يذكرني بقصة (الثعلب والديك) ضمن تأثر أمثال لافونتين التي تعلمناها وحفظناها عن ظهر قلب في الصغر، أو قصيدة الثعلب والديك لأمير الشعراء أحمد شوقي والتي يقول في مطلعها:
برز الثعلب يوما
في شعار الواعظينا
فمشى في الأرض يهذي
ويسب الماكرين
فهذا الصنف من البشر-بغض النظر عن موقعه السياسي أو موقفه من شؤون الحياة والعالم-مخيف وخطر داهم على المجتمع، لأنه يأتي الناس من حيث لا يدرون أو يتوقعون، فثياب الناسكين تغطي النوايا الخبيثة بسهولة كبيرة.
أن يزداد عدد الثعالب في حياتنا، فأمر بات متوقعا، ولم نعد نستغربه، بل قد يكون من طبائع الأمور في هذا الزمان العجيب الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، ولكن أن يظهر هؤلاء الثعالب بلباس الناسكين، فذلك هو متعب، بما جعل عدد نساك هذا الزمان لا يحصى ولا يعد، فمنهم من تراه إذا تحدث عن القيم والشرف والعفة والرجولة أبهرك وأصابك بسحره فتردد: سبحان الله مائة مرة، ومنهم إذا تحدث عن أخلاقيات المهنة مثلا تنبهر بعلو همته ونظره السديد وغيرته ونزاهته واستقامته، هؤلاء هم ما نطلق عليهم «شر البلية» التي يلخصها المثل العربي، هم شر البلية في حياتنا، ادخلوا فيها الدجل المبرمج المزين بضروب الأكاذيب النعمة، أوهمونا بأنهم نساك الزمان وآخر الزمان، في حين أن أعماقهم تبطن عكس ما يظهرون، في قلوبهم مرض، وفي أنفسهم بؤس وقلة ثقة صدق ونزاهة وحياء، فأسسوا لنا طريق الآلام والأوهام، وباعونا الأكاذيب والأوهام.
إن أسوأ ما يمكن أن نصاب به في حياتنا هو أن نصدم فيمن كنا نعتقد أنهم نساك فكر وثقافة وأصحاب استقامة ونزاهة، فإذا بهم ينتقلون من كونهم رموزا لكل ما هو جميل، إلى مجرد نساك مزيفين، ومع الأيام نكتشف عكس الأوهام التي كانت تدور بخلدنا، ذلك أن طاقة الشر التي تتوفر لديهم تساوي حجم طاقة الجبن والقدرة على الخنوع التي تتوفر لديهم كذلك.
ومع ذلك، فمن المهم أيضا التأكيد بان هؤلاء لا قيمة لحضورهم ولا أهمية لأفعالهم، لا أحد يكترث لكتاباتهم ولا لتصريحاتهم ولا لأقوالهم، ولا أحد يعتني بما يحبرون وبما يكيدون وبما يضمرون، وبما يعلنون... إذ لا عمق في أقوالهم ولا مصداقية في تصريحاتهم ولا قيمة لكتاباتهم في جميع الأحوال والأزمان حتى وان امتلكوا مال الدنيا كله، وحتى وان امتلكوا من العلم ما يفوق الجميع، لأن روح الحياة وجوهرها الذي لا يفنى هي النزاهة التي يفتقرون إليها، وإنما هم في الوجود موجودون ولكن بدون قيمة.
همس:
الوردة، والقبرة
في مكمن القلب
تقفان بعيدا.
فنجان القهوة،
القصيد، التذكر،
والحمامة البيضاء
تطير بعيدا.
تأخذ كل الذي كان
ينوء بحمله القلب.
قبرتي العزيزة:
تضيع كلها الأشياء، والجنة،
تعرفين كيف هي بعدك الأشياء؟
لا شيء تقريبا،
حتى في الجزر الموعودة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها