النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

حتى لا تختل الموازين...

صمام أمان دولة الرعاية

رابط مختصر
العدد 10773 الإثنين 8 أكتوبر 2018 الموافق 28 محرم 1440

وصلني تعقيب من أحد القراء على مقالة (زمن الضرائب ينشر ألواحه)، تضمن نقطتين مهمتين: الأولى تغير المعادلة في علاقة المواطن بالدولة، والثانية: علاقة الضرائب بالمواطنة، وبالنظر إلى أهمية ما جاء في هذا التعقيب، فإني وجدت من المفيد استعراض أهم ما ورد فيه، قبل التعليق عليه:
- الأولى: لقد لفتت انتباهي تلك المعادلة التي صدرت بها مقالتك وهي (التحوّل من مرحلة (مسؤولية دولة فقط) إلى (مسؤولية دولة ومجتمع)، وذلك لأن مثل هذ العنوان يختزل فعلا طبيعة التحول في هذه المعادلة، ومن الواضح أننا نسير في هذا الاتجاه، وإن ببطء. وأرى أن هذا الأمر شبه حتمي يتزامن مع التطور الذي شهده مجتمعنا على كافة الأصعدة، والدليل على ذلك أن جزءا كبيرا ومتناميا من المجتمع وخاصة من الطبقة الوسطى بات يعتمد على نفسه بالدرجة الأولى في الصحة والتعليم والإسكان وهي اهم الخدمات التي تقدمها الدولة وتدعمها. وهذا التطور المهم الذي من شأنه تخفيف الأعباء عن الدولة، لا يجب أن يخفي عنا أن قسما كبيرا من الناس ما يزالون في حاجة ماسة إلى رعاية الدولة، ولن يكونوا بقادرين ذاتيا على الاعتماد الكامل على أنفسهم في توفير الخدمات الرئيسية.
- الثانية: تتعلق بعلاقة الضرائب بالمواطنة أي بمساهمة كل فرد في النفقات العامة للدولة، وفقا لمنطق الضرائب في كافة دول العالم. حيث أصبح الالتزام بدفع الضرائب في أغلب تلك الدول مظهرا من مظاهر الوطنية، بل ودليلا من أدلة التزام المواطن تجاه الدولة، بأن التهرب الضريبي قد بات يعتبر جريمة في تلك البلدان. إني أتفق معكم تماما خاصة في نقد ثقافة (الأخذ من الدولة من دون حساب، ومن دون مقابل)؛ فإذا كان المجتمع قد تعود على ذلك في السابق ولسنوات طويلة وكانت موارد النفط كافية لتغطية الاحتياجات، فإنه وفي ظل الأوضاع الجديدة، لن يكون من الممكن الاستمرار في ذات التوجه بذات المستوى. وذلك لأن الدولة لن تتمكن من الوفاء بكافة الالتزامات التي ألزمت نفسها بها. وفي المقابل سوف يبقى المواطن في حاجة ماسة إلى دعم دولة الرعاية وعدم المساس بالمكاسب التي تحققت له في ظل المشروع الإصلاحي. على الأقل بالاستمرار في توجيه المساعدات والخدمات إلى الفئات الأقل حظا والأقل دخلا. (انتهى التعقيب).
 
ولدي على هذا التعقيب إضافتان:
- الأولى: أننا نعيش فترة تحولات، ليس على المستوى الوطني فحسب، وإنما على المستويين الإقليمي والدولي، تمس الجوانب الاقتصادية والمالية، بشكل رئيسي، وما لتلك التحولات من تبعات وآثار اجتماعية، بدأت تتضح خلال السنوات العشر الماضية، حتى في البلدان الصناعية المتقدمة، ولذلك فلابد من الاستعداد والإعداد لهذه المرحلة حتى لا نفاجئ في يوم من الأيام بمثل هذا التحول (إذا ما فرضته علينا الظروف لا قدر الله). وهذا الاستعداد يجب أن يقوم على عمل الدراسات والخطط العلمية اللازمة والبدائل المحتملة والخيارات الممكنة. ويقوم ثانيا على خطة اتصالية قومية ومقنعة ومبادئة، لأن أي خلل اتصالي في هذا الموضوع والمواضيع المرتبطة بمعيشة المواطنين يكون مضرا جدا. ونستذكر في هذا السياق-وعلى سبيل المثال فقط -ما حدث في ملف التقاعد وما أثاره-بسبب الخلل الاتصالي-من قلق كبير لدى طيف واسع من المواطنين الذين أصابهم الهلع من أن يكون التقاعد محطة للأوجاع.
- الثانية: إن بعض الذين يتحدثون اليوم من أبراجهم العاجية عن ضرورة إنهاء مرحلة (دولة الرعاية) وتقليص الدعم المقدم للمواطنين أو إلغائه حتى، لا يدركون على ما يبدو أن ما تقدمه الدولة إلى حد الان من خدمات في المجالات الأساسية، هو أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي بل هو صمام أمان رئيسي. وإذا كان من الضروري ترشيد وتقنين تلك الخدمات والانفاق عليها، فإن المطلوب أن تستمر الدولة في توفير هذا الحد الأدنى والضروري من الرعاية لمواطنيها ذوي الدخل المحدود وحتى المتوسط، لأنه ومن دون ذلك، سوف تختل الموازين بشكل مخيف على الأرجح. وسوف يكون من المقلق حقا، إذا ما دخلنا مرحلة جديدة لا يكون أمامنا فيها إلا التنفيذ الحرفي لتوصيات البنك الدولي، والتي ما ان تحل بأرض إلا حلت معها الكوارث والاضطرابات. خاصة أن بعض الخدمات في ترابطها البنيوي تعد حيوية للمواطنين، وأن أي مساس أو حتى خفض لها بشكل دراماتيكي، لن يكون مفيدا على المدى البعيد حتى بالمعيار المالي. لأن خفض الدعم المقدم للخدمات الاجتماعية التي تضمن قدرا كبيرا من الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي من شأنه الاضرار بالتماسك والاستقرار الاجتماعيين. فحتى في البلدان الأوروبية الصناعية الغنية والمتقدمة، مثل فرنسا وألمانيا، ما تزال– رغم المستويات العالية للأجور والرواتب والدخول-تقدم مظلة واسعة من الخدمات الاجتماعية التي من دونها تختل الموازين وتنفجر الاضطرابات.
وفي الخلاصة...إننا ما نزال حقيقة في حاجة ماسة إلى دولة الرعاية ومظلة الرعاية الاجتماعية، وإن كان لا بد من مراجعتها وتطويرها وترشيدها على أسس عادلة ومنصفة تراعي التفاوت بين دخول المواطنين.
 
همس
قدم ثلاثة من الخبراء الاقتصاديين الأوروبيين دراسة، تؤكد على مبدأ «تعزيز دولة الرعاية الأوروبية الحقيقية مع نظام قاري للتقاعد» إضافة إلى الدعوة لإنشاء جامعات متميزة جديدة في مناطق التخوم الأوروبية ضمن إطار طبيعي جذاب على ان يتم التعهد بنفقات الطلاب بالكامل. وتقول الدراسة: يفترض بدولة الرعاية الأوروبية أن تغطي الجميع، بحيث تطال عطاءاتها كل فرد في كل بلد، ويجب أن تعتبر هذه الرعاية القارية، مكملةً وليست بديلا من أنظمة الرعاية الاجتماعية الوطنية التي يجب أن تتمكن من الاستعانة عند الحاجة بصندوق أوروبي يتمتع بموارده الخاصة، ليكون صندوقا اجتماعيا أوروبيا يملك الموارد الكافية كي يستثمر من أجل إيجاد وظائف منتجة وتأمين النفقات المستقبلية للرعاية الاجتماعية. والمساهمة في إنتاج الثروة وتوزيعها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها