النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11203 الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

سؤال النهضة العربية (١)

رابط مختصر
العدد 10771 السبت 6 أكتوبر 2018 الموافق 26 محرم 1440

 لا يمكن الحديث عن النهضة العربية الأولى في العصر الحديث دون ذكر روادها في القرن التاسع عشر: رفاعة رافع الطهطاوي، عبدالرحمن الكواكبي، جمال الدين الأفغاني، بالإضافة الى الشيخ محمد عبده، الذي رأى أن الغرب أخذ سلوكيات الإسلام فتقدم، وأن الشرق ترك سلوكيات الإسلام فتأخر؛ كان الشيخ محمد عبده آنذاك في زيارة لأوروبا وأعجبته الأخلاقيات السائدة، والسلوك الإجتماعي للغربيين، فلما عاد الى بلاده قال: (في الغرب رأيت إسلاما بلا مسلمين، وفِي الشرق رأيت مسلمين بلا إسلام).
هؤلاء الأقطاب الأربعة بحثوا عن إجابة لسؤال النهضة: كيف ننهض ونلحق بركب العالم المتقدم؟ ثم حاولوا كشف العلل التي أدت الى توقف عجلة التقدم العربي الإسلامي، بعد أن كان العرب والمسلمون قدوة وقبلة العالم المتحضر، لكن محاولات هؤلاء الرواد لم تستمرطويلا، لأن التربة التي نبت فيها هذا السؤال لم تكن جاهزة وخصبة للتغيير، كما أن الزمن لم يكن مواتيا. إنتهت النهضة العربية الأولى التي بدأت في أواسط القرن التاسع عشر، في الستينات من القرن العشرين؛ بعد أن إستمرت حوالي قرن واحد إنتشر فيه التعليم الحديث وتطورت فيه الزراعة والصناعة ونشطت الترجمة، على يد الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، بعد قضاءه عدت سنوات في باريس مع البعثة الدراسية المصرية التي أرسلها محمد علي باشا للأخذ من علوم الغرب.
ومنذ الخمسينات من القرن الماضي شهد الوطن العربي ثورات عديدة من أجل النهضة والتغيير، كان معظمها عبارة عن إنقلابات عسكرية أعلنت ميلاد الجمهورية. فشلت تلك الثورات لأنها أحدثت تغييرا في السطح دون العمق، الذي ظل آسنا بالجهل: (عدو التقدم).
الموجة الثالثة من الثورات من أجل النهوض شهدت نكوصا مخيفا  في العام 2011، مما حدا بالمفكرين العرب الى العودة للسؤال نفسه وبشكل ملح. بعض الباحثين الغربيين قبل هذا الوقت قالوا أن العرب يعيشون إنسدادا تاريخيا لا يمكنهم اختراقه، فهم لا يعالجون أساس المشكلة، ولا يعرفون الطريق ولا الهدف. ورأى مفكرون عرب معاصرون مثل محمد عابد الجابري الذي الف كتابا: (في نقد العقل العربي)، أن معوقات النهضة العربية تكمن في العقل العربي. تجديد العقل العربي يستلزم بالضرورة الذهاب الى الثقافة، بصفتها حقلا متنوعا من العلوم والمعارف السياسية والإجتماعية وغيرها.
اليوم أصبح سؤال النهضة أكثر إلحاحا وحضورا، والفترة الأخيرة شهدت رواجا في تناول الكتاب لهذا الموضوع، فالعالم من حولنا يستقيم على أنظمة ديمقراطية مستقرة عمادها الحرية والتنمية والعدالة. الثورة العلمية الثالثة التي حولت العالم الى قرية صغيرة كشفت لنا حجم الجحيم الذي نكتوي بناره كل يوم؛ ووضعتنا وجها لوجه أمام سؤال النهضة الذي لا يتغير والإجابة التي لايسمعها أحد لا من الحكام ولا من المحكومين. المسألة إذن أكثر تعقيدا مما نتصوره. (أليس من المؤسف أن يتحسر الناس على زوال أنظمة إستبدادية، كانت أرحم من الحروب الأهلية الراهنة).
المفكر المعروف عابد الجابري له رأي صادم لكنه واقعي في هذه المسألة، فمع استقالة العقل العربي وتعطيله، يصبح المستقبل مقبرة للأمة، حسب توصيفه. هل كان الجابري الذي برز في الثمانينات على النطاق العربي ثم رحل عن دنيانا، يتنبأ بما يحدث في سوريا وليبيا واليمن اليوم؟ الدكتور محمد الرميحي في مقال منشور في جريدة الشرق الأوسط في 22/‏ 9 /‏ 2018 يرجح أن هذا الإنسداد التاريخي راجع الى اختلاف النص عن العصر، ويدعو الى المصالحة بين ما أسماه (مصالحة النص والعصر)، النص هنا كما أعتقد هو الثقافة التقليدية السائدة التي لا تلائم العصر الحديث.
الكاتب عبدالرحمن شلقم يشير في جريدة الشرق الأوسط أيضا في نفس التاريخ، الى أهمية الثقافة في تغيير الإنسان العربي، والناقد المعروف جابر عصفور بدوره، يذكر في جريدة الأهرام المصرية في مقال مطول أن تحويل العقل العربي يستوجب تغيير التعليم والثقافة وإحياء التراث العقلاني في الحضارة العربية، كتراث المعتزلة والفيلسوف إبن رشد.
أشير الى أن الثقافة العصرية يجب أن تبدأ بالتعليم ففي عصر التنوير الفرنسي كان هناك انتعاش في التعليم، وأنوه أننا لا نستطيع أن نخلق ثقافة متقدمة دون تعليم متقدم؛ لكي نؤهل أطفالنا للنهضة منذ نعومة الأظافر. وكما يبدو من آراء مفكرين وكتاب ومثقفين مختلفين أن العقل العربي الراهن هو مصدر المشكلة، وفِي العقل العربي حل المشكلة أيضا. علينا إذن كعرب أن نشتغل على هذا العقل لإخراجه من (الغرفة المظلمة) التي بناها الاحتلال العثماني عدة قرون حسب توصيف الكاتب شلقم، وللحديث بقية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا