النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

لغز إسقاط الطائرة الروسية

رابط مختصر
العدد 10768 الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 الموافق 22 محرم 1440

إن الحرب، أو الحروب، الدائرة على الأرض السورية، بالوكالة أو بالأصالة، هي من أكثر الحروب تعقيداً في التاريخ الحديث بعد الحرب العالمية الأولى والثانية. وهي حرب تتشابك فيها دول كبرى وصغرى، وميليشيات وعصابات، وتتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية، وتتواجه فيها طوائف مذهبية ـ إسلامية، تحرق شراراتها العقيدية المتطرفة أبناء الطوائف الدينية الأخرى غير الإسلامية. إن حرباً بهذا التعقيد تكون مدعاة لأخطاء صغيرة وكبيرة، استراتيجية وتكتيكية، وهذه الحرب بذاتها وبتداعياتها تؤجج شبكة العلاقات الدولية، فكل دولة، لها دور مباشر أو غير مباشر في هذه الحرب، تعيش على صفيح ساخن وفي حالة من الخوف والقلق، مخافة أن تؤثر طبيعة الأخطاء، التي قد ترتكبها، على علاقاتها الدولية مما يؤثر سلباً على مصالحها السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية. فهل إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية، بمناورة جوية، خبيثة أو ذكية، من قبل الطيران الإسرائيلي، يندرج تحت مفهوم العمل الصائب المقصود، أم العمل الخاطئ وبقصد خاطئ؟ الطيران الإسرائيلي قام بمناورة جوية معقدة مخططة بإسقاط الطائرة الروسية، ليس بصاروخ جوـ جو إسرائيلي، بل بصاروخ أرض ـ جو سوري، حتى يبدو المشهد وكأن سورية الحليفة لروسيا هي التي أسقطت الطائرة. عندها يعتبر إسقاط الطائرة قد تم بنيران صديقة بالخطأ، ولكن ليس لنتيجة من هذا القبيل أي أثر للخطوة الإسرائيلية. وإسرائيل مدركة أن إدارة الجيش الروسي قادرة على كشف دورها ونيتها في إسقاط الطائرة. إذاً، ومن هذا المنظور، فإن حيثيات إسقاط الطائرة الروسية تبقى لغزاً أكثر من كونها خطأً. خاصة والكل يعلم أن دولة اسرائيل هي استثناء في منظومة دول العالم، فهي الدولة التي تشكلت بقرار أممي ـ مصلحي، وكيانها مرتبط بغطاء سياسي واقتصادي وأمني من قبل المنظومة الدولية وعلى رأسها الدولة العظمى صاحبة النفوذ الأكبر عالمياً، وهذه المنزلة، كدولة عظمى، قابلة للتحول إلى قطب آخر، وهذا هو علم التاريخ السياسي. فإسرائيل بهذه المعطيات، دولة محشورة مكانياً، حيث إنها مرفوضة من المحيط الذي تتواجد فيه، وهي دولة منفلتة زمانياً، فبعد أكثر من 2500 عام يتم قرار دولي بإنشاء كيان دولة لبني إسرائيل الذين فقدوا كيانهم المستقل على يد الأباطرة من بابل إلى فارس إلى الرومان إلى عثمانية تركيا، فهي دولة من فلتات الزمان، وهي كيان يعيش على صفيح ساخن وغير مكتمل، عنصره البشري في اسرائيل يحن إلى أصله غير الإسرائيلي، وبني إسرائيل خارج إسرائيل تَهفو قلوبهم حباً وخوفاً على كيان يمثلهم. إن دولة بهذه المعطيات الوجودية غير الثابتة، يعلم قادتها علم اليقين أن مصير دولتهم مرتبط باستراتيجية لا ينفذ منها نسمة هفوة ولا خطأ، خاصة تجاه الدول الضامنة لأمنها وبقائها، والدول المرشحة لأن تتبوب مكانة الدولة العظمى، وعلى رأسها روسيا. من جانب آخر، فإن العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية، تتخطى حدود السياسة والاقتصاد إلى البعد البشري، فالروس اليهود في اسرائيل يحنون إلى روسيا، واليهود في روسيا يحنون إلى اسرائيل، وللعلم كذلك، فإن اليهود الروس أشد ارتباطاً دينياً باسرائيل مقارنة باليهود في أمريكا وأوروبا. إذاً فالرابط بين روسيا واسرائيل رباط مصيري ووجودي بالنسبة لإسرائيل وحساس بالنسبة لروسيا، فكلاهما مرتبط بالآخر في الحدود الإرادية والحدود غير الإرادية.   
رغم الدور الروسي في حماية نظام البعث الحاكم في سوريا، إلاّ أن المصالح الجيوسياسية لروسيا هي الأساس في هذا الدور، والقيادة السورية تعلم أهداف هذا الدور جيداً، وهي أفضل الخيارات لديها، أو لا خيار لها في هذا الدور، والذي يؤكد على أولوية المصالح الروسية على مهمة حماية نظام الأسد هو التنسيق العسكري بين روسيا واسرائيل على الأرض السورية، فقد سمحت روسيا لإسرائيل أن تكمل دور روسيا في التصدي للمليشيات المتطرفة ومعها ميليشيات ولاية الفقيه في إيران، فالساحة السورية مقعدة، روسيا تنسق وتتعاون من جهة مع ايران، وفي الجهة المقابلة تنسق وتتعاون مع إسرائيل، وهذا التعاطي المتوازن بين النقيضين تصب مياهه الجارية في مصب المصالح الروسبة العليا، وهذه السياسة الروسية لا تخل بأمن اسرائيل، بل تؤكد على أمنها من خلال الاعتراف بدورها الإقليمي عبر هذه الحرب الضروس في سوريا. فأين مصلحة إسرائيل في مناكفة روسيا، أو التصدي لدورها، أو معاداتها؟ منطقياً وجدلياً، ليس من مصلحة إسرائيل المساس بالعلاقات المتوازنة مع روسيا، وليس من مصلحة روسيا، الطموحة والمندفعة، تعكير صفو العلاقة المجدية، استراتيجياً، مع إسرائيل. إذاً فإسقاط الطائرة وضعت الطرفين في وضع حرج، وكلاهما حريص على تخطي هذا الوضع حفاظاً على العلاقات ذات المصالح الاستراتيجية المتبادلة.
 روسيا لها نفوذ في اسرائيل وعندها أوراق عديدة هي دعامة علاقات قوية بين الطرفين، وإسرائيل لها قلوب تحن إليها وأذرع متنفذة في روسيا، وإسقاط الطائرة الروسية، من وجهة نظر الطرفين، يجب أن لا يدفع او يكون سبباً في فقدان النفوذ وزعزعة الثقة وأضعاف العلاقات  بين الطرفين. لا شك أن هناك جهات في اسرائيل لا تحبذ هذا الرباط بين الدولتين، وكذلك منظومة التحالف الدولي المرتبط بامريكا، ولكن ليس من مصلحة اسرائيل ولا روسيا أضعاف هذا الرباط بينهما .إذاً فإسقاط الطائرة الروسية يصب في مصلحة الجهات غير الراضية عن الرباط القوي بين الدولتين. والتحقيق الذي يطلبه بوتين ليس لإحراج او معاقبة اسرائيل، بل للوصول الى الجهات المعارضة لهذا النفوذ الروسي في اسرائيل. اسرائيل بالنسبة لروسيا مكسب استراتيجي، خاصة وان اسرائيل هي الذراع الامريكي في المنطقة العربية، وروسيا بالنسبة لإسرائيل مكسب أمني. العلاقات الروسية الإسرائيلية مقابل العلاقات الروسية العربية واستراتيجية روسيا كدولة عظمى امام الولايات المتحدة، يمكنها أن تساهم، بشكل أُفضل من الدور الأمريكي، في تعبيد الطريق أمام حل مهضوم للقضية الفلسطينية، واسرائيل في حاجة ماسة الى أن تكون جزءاً طبيعياً في المنطقة مقبولة من منظومة الدول العربية.  إذاً فالعلاقات الروسية الإسرائيلية أكثر تعقيداً وأَعمق استراتيجياً وامنياً كي تتأثر سلباً بهذه الحادثة التي قد تكون مدبرة في غير صالح اسرائيل، من حيث علاقتها بروسيا. روسيا، من جهتها، ليس من مصلحتها التخلي عن سلة البيض بمجرد أن بيضة واحدة قد انكسرت فيها...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها