النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الثوابت والمبادئ الجامعة في تجربة الإصلاح السياسي في البحرين

رابط مختصر
العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439

أشرنا في مقال سابق (مرحلة جديدة من التجربة الديمقراطية في البحرين)، إلى التنازع حول مفهوم ومضمون الإصلاح السياسي، بين منظورين: الأول واقعي، يقوم على مبدأ التدرج، تجنبا للقفز نحو المجهول، والثاني يكاد يقترب من مفهوم (الثورة) على الأوضاع والخيارات القائمة. وقد عبرنا في ذلك المقال عن الانحياز إلى المنظور الواقعي المتبصر والهادئ للديمقراطية الوليدة، والتي تراعي طاقة احتمال الواقع وامكانيات المجتمع. وأنكرنا على المغامرين تلك النزعة الانقلابية التي تسببت فيما يشبه الكارثة في أحداث 2011م والتي حملت المجتمع ما لا طاقة على احتماله بتكلفة سياسية وأمنية عالية وثقيلة في كافة الجوانب ما كان يجب أن يتحملها.
تلك هي خلاصة المقال السابق. وفي هذا السياق وردني أكثر من تعقيب عليه بين مؤيد ومعارض. وسأكتفي في هذا الإطار بعرص ملخص للرأي المنتقد للمنظور الواقعي للديمقراطية، استنادا إلى ذات الشعارات التي سبق طرحها فيما سمي بوثيقة المبادئ والمصالح المشتركة المعلن عنها في العام 2013م.
يقول صاحب التعقيب: «لماذا تصورون المطالبة بالإصلاح الحقيقي الشامل انقلابية، أو غير واقعية؟ فالإصلاح السياسي الذي تم التعبير عنه في السابق من لم يكن كذلك، وإنما كان بحثاً عن إصلاح ذي معنى قابل للاستمرار، ويحل المشكلات بشكل جذري ونهائي، بدلاً مما تسمونه بالواقعية والتدرج والتبصر». انتهى التعقيب.
إن تفحص مجمل هذه الأفكار والمبادئ التي يلخصها هذا التعقيب، يطرح العديد من التساؤلات حول حقيقة هذه المواقف والرؤى على صعيد الإصلاح السياسي ومدى واقعيها، وما إذا كانت بالفعل ترغب في الوصول إلى حلول توافقية. فمن حيث المضامين والمرجعيات تبدو هذه الافكار في بنيتها اللغوية وفي مرجعياتها الفكرية والسياسية ومن حيث طموحها وسقفها أعلى مما هو موجود حتى في بعض النظم الديمقراطية العريقة في منابتها الغربية. وهذا ما نقصد بعدم الواقعية. فأصحاب هذه الرؤية يركزون منذ البداية على المرجعيات الدولية في القيم والمبادئ والآليات، ومن ذلك الحديث عن الإشراف الدولي على جميع الجوانب السياسية والدستورية في (الإصلاح الديمقراطي)، بعيداً عن مفهوم ومعنى ومحتوى الإصلاح السياسي الوطني ومرجعياته المستقرة، وحدودها المعقولة والمتوقعة، وكذلك (الثوابت الوطنية) المستقرة في ضمائر الناس وفي ميثاق العمل الوطني الذي اجمع عليه المجتمع.
فجميع الإحالات ضمن المنظور المعارض تتم وفقا لمرجعية الأمم المتحدة والعهود الدولية فقط، حتى أنه يتراءى للمتابع لهذه الأفكار، وكأننا بصدد إنشاء دولة جديدة من العدم، أو إزاء إعادة بناء دولة من الصفر. مع نوع من الوصاية الدولية، مثل الحديث المتكرر والمستفز عن «مراجعة قرارات الدولة من خلال جهة دولية مستقلة».
وإذا كان أصحاب هذا المنظور دائمي الإحالة على (أفضل الممارسات الديمقراطية في العالم)، فالتماهي هنا هو مع المطلق، وليس مع الواقع، مع المثال وليس مع التاريخ، لأن الهدف في النهاية هو كسب تعاطف المجتمع الدولي، كأولوية معادلة لقوة الدولة والمجتمع المحلي، مع الإعراض تماما عن معالجة إشكاليات وتطلعات ورؤى الداخل وتناقضاتها وتوازناتها الواقعية وامتداداتها الإقليمية. حيث يبدو الداخل غير مأخوذ في الحسبان ضمن هذا المنظور، بما يعزز غياب الواقعية السياسية في الرؤية والمشروع معا. وبما يفضي الى نتيجة واحدة وهي الهدم الكامل لأسس الدولة القائمة والممتدة على مدى قرنين من الزمان، بشرعية الحكم فيها، وبمؤسساتها الدستورية، وبإجماع شعبها على القيم والمبادئ الجامعة في الميثاق، من خلال الدعوة إلى (عقد اجتماعي جديد)، وإلغاء كل شيء تقريبا و(الانقلاب على الدولة بالمطلق)، بل والانقلاب على ثوابت المجتمع نفسه.
 فمن المعلوم أن لكل مجتمع قيما وثوابت لا يمكن المساس بها، وهي تشكل القاعدة الأساسية في المجتمع وتقوم عليها الدولة، وهي أمور محسومة لا يجوز المساس بها وتعتبر الأساس في الانطلاق نحو حياة سياسية مستقرة. لقد شكِّل الإعلان عن الميثاق نقطة تحّول مهمة في تاريخ البحرين، ببناء حياة سياسية متقدمة تتناسب والنمو الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق في المراحل السابقة، وقد مكن الميثاق من حل العديد من الإشكالات التي كانت قائمة، كما تضمن المبادئ الأساسية لنظام الحكم والحريات العامة والخاصة.
وفي ضوء المعطيات الواقعية المرتبطة بتحولات الأزمة التي عاشتها مملكة البحرين منذ فبراير 2011م وجهود الدولة لمعالجتها، تم فتح باب حوار التوافق الوطني في مرحلة سابقة، وبالرغم من انسحاب بعض الجمعيات المعارضة منه، فقد تم توصل الى العديد من التوافقات التي أسهمت في تطوير الحياة السياسية والتشريعية والاقتصادية، وكان من أبرزها صدور مرسوم بالتعديلات الدستورية التي عززت دور وصلاحيات المجلس النيابي، كخطوة متقدمة لتعزيز التجربة الديمقراطية. كما تم تنظيم حلقات أخرى من الحوار السياسي التي شاركت فيها المعارضة، وانتهت بانسحابها مجددا. وغير ذلك من الفرص الأخرى.
وتستعيد مملكة البحرين اليوم فرصة جديدة لمواصلة الجهود الوطنية لاستكمال حلقات التطور السياسي من خلال تنظيم انتخابات برلمانية وبلدية جديدة، وما ينتظر منها من مخرجات من شأنها تعزيز المشاركة الشعبية وإعادة رسم الأدوار والعلاقات بين السلطات الثلاث، بما يحفظ للبحرين تقدمها واستقرارها ووحدتها الوطنية، في إطار الثوابت الجامعة للعمل الوطني، ضمن روح الملكية الدستورية كأحد أهم ركائز التطور السياسي الديمقراطي في البحرين، وهدفها الارتقاء بالحياة السياسية في ظل التوازن بين السلطات، من أجل الحفاظ على أمن الوطن واستقراره وسلمه الأهلي، وتأمين حياة أفضل للمواطنين. بما يعني التأكيد على الدور الحيوي لجلالة الملك المفدى، كرمز للسيادة الوطنية وكقائد موحِّد، يحمي المجتمع من الانزلاق نحو أي استقطاب، وباعتباره صمام الأمان الحامي الثوابت المشتركة للمجتمع، وهو الضامن لوحدة البلاد واستقلالها وهويتها. كما لا ينحصر مفهوم الديمقراطية في حق التعبير عن الآراء السياسية والتنظم الجمعياتي فقط، بل يشمل أيضا العمل على تحويل ما ينادي به المجتمع عبر من ينتخبونهم بكل حرية للبرلمان، إلى خطط عمل مشتركة باقتراحات واقعية وعملية تسهم في تقدم الوطن وتعزيز وحدته وسلمه الأهلي وتكافؤ الفرص بين أفراده.
أما بالنسبة إلى ضرورة التحلي بالصبر والقبول بالتمشي التدريجي في العمل الديمقراطي الوطني، فإن هذا النهج ليس بغريب ولا ببعيد عما يحدث في العالم. فبالمقارنة مع ديمقراطيات مرت بتجربة التحول حديثاً، كما في أوروبا الشرقية خلال تسعينيات القرن الماضي، تطلب التحول الديمقراطي عدة دورات انتخابية، وامتدت لأكثر من عشرين عاما، من أجل انتقال الجمعيات السياسية المنقسمة وذات البنية الضعيفة إلى حالة من التجمع والاندماج، وصولاً إلى أحزاب حقيقية تعمل على مستوى وطني، تسهم في البناء الديمقراطي، وتقوم بمهامها بشكل وطني فاعل. كما أن الديمقراطية تستدعي تضافر جهود الجميع وتعميق نهج العمل المدني الديمقراطي الذي من أخص مستلزماته تشكيل وبناء الجمعيات على أسس وطنية غير طائفية، ورفض التعاطي مع السياسية على اساس المحاصصة الطائفية التي تؤدي إلى الشلل الكامل في الحياة العامة. هذا إضافة إلى الإقرار بآلية التدرج في النهج الإصلاحي الديمقراطي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها