النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

عبد الناصر .. شمسنا الغاربة

رابط مختصر
العدد 10744 السبت 8 سبتمبر 2018 الموافق 28 ذو الحجة 1439

عندما نستعيد الآن تفاصيل ذاك الحلم الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن نتمنى عودته من جديد في هذه الأيام المظلمة. عندما جاء عبدالناصر، في تلك الفترة الزمنية الساخنة من الخمسينات والستينات تغيّر لون الليل فأصبح مضيئا، تغيرت الطرقات القديمة بعد أن عبد لنا عبد الناصر طرقات جديدة، آنذاك كنا أذلاء وقصارا فاستطالت قاماتنا، وكنا خرسا فنطقنا، وكنا مذعورين فصرنا شجعانا. تصدينا للاحتلال البريطاني الذي كان يرزح على صدورنا منذ أمد بعيد. لم ترهبنا جيوش الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، وكانت هذه الجيوش موزعة من أدنى البلاد الى أقصاها.
في أعوام الخمسينات والستينات من القرن الماضي كنا نرفع أيدينا لجنود القوات البريطانية التي تعبر شوارعنا بعلامات النصر القريب، ونرفع صوتنا الذي كان خفيضاً قبل أن تشرق شمس عبدالناصر: ناصر.. ناصر، ناصر وأصابعنا مفرودة للجنود بالرقم (7) فيغضبون وهم في شاحناتهم. قبلها وبعدها خرجنا في الشوارع في تظاهرات ومسيرات متعددة بين المنامة والمحرق (قاطعين الجسر) نهتف ناصر، ناصر، ناصر/‏ كلنا بنحبك ناصر/‏ يا حبيب الشعب يا ناصر. استمعنا بكل جوارحنا المجروحة الى محطة (صوت العرب)، محطة عبد الناصر التي يخاطب فيها كل العرب، وتبث أخبار كل الانتفاضات العربية. استمعنا الى الأغاني الناصرية التي جاءت مع ثورة 1952 المجيدة، تتغنى بالوحدة العربية والإشتراكية ورحيل الاستعمار. كنا نغني للوطن العربي أغنيات عبدالناصر: وطني حبيبي الوطن الأكبر/‏ يوم ورا يوم أمجاده بتكبر/‏ وانتصاراته مالية حياته /‏ وطني بيكبر وبيتحرر.
لم تكن ثورة عبد الناصر مصرية فحسب، كانت عربية، ويوم تحررت مصر من الاحتلال البريطاني تبعتها البلدان العربية. الانتصارات المتتابعة التي حققها ناصر في زمن قياسي أكدت لنا أننا بالفعل لا نحلم، فالأمجاد العربية قادمة، وأغاني عبد الحليم حافظ الوطنية كانت تشعلنا وتُشعرنا بوحدة القضية والمصير، ومعه كنا نغني أيضا: أنا شفت العلم البريطاني /‏ بيدنس نسمة أوطاني /‏ منظر أحزني وبكاني، نفس العلم الذي أبكى المصريين في مصر أبكانا في البحرين. القضية واحدة، والعروبة واحدة، والطريق والهدف واحد. كان العلم البريطاني يرفرف على المباني في بلادنا، كما كان يرفرف في مصر. أيقظنا عبدالناصر من سبات القرون المظلمة، فرحنا نغني مع عبد الحليم حافظ الذي تخصص في الأغاني الوطنية، لنعبر عن حبنا الشديد للقائد الذي جاء ليوحد العرب ويستعيد أمجادهم الغابرة: عبد الناصر حبيبنا /‏ واقف بينا يخاطبنا، نجاوبه يجاوبنا /‏ قائد ومجندين /‏ قول ما بدا لك /‏ إحنا رجالك /‏ وذراعيك اليمين.
نعم، اللواعج القديمة ظهرت لي وأنا أجهز هذا المقال فوجدتني أبكي، ليس كثيرا أن أبكي إنطفاء الأمل العربي الكبير ورحيل الشمس المشرقة.  أعادني عبد الحليم حافظ ، إلى زمن لا أعتقد أن العرب سيحظون مثله، وبكيت على ذلك الوقت الذي ضعنا من بعده، بكيت على الشباب أيضا؛  كنا طلبة في الثانوية في ميعة الصبا وريعان الشباب، نسيرعلى الجسر الواصل بين المنامة والمحرق في عدة مسيرات وتظاهرات اعتدنا عليها، كنا نهتف: من المحيط الهادر /‏ الى الخليج الثائر /‏ لبيك عبد الناصر. في العام 1954، بعد الثورة المصرية بسنتين انتفض البحرينيون عن بكرة أبيهم بتأثير ثورة عبد الناصر التي ألهمت ثورات عربية أخرى بعدها، انتفض البحرينيون جميعاً، رجال، نساء، شباب، شيوخ، أطفال، كان أطفال الحورة يهتفون في الأزقة متأثرين بمسيرات الكبار: (سل السيف يا جمال)، يا لبراءتهم.
واستمرت الانتفاضة سنتين تكللت بطرد المستشار البريطاني بلجريف. وكانت انتفاضة البحرينيين الثانية في العام 1965 أيضاً تحت تأثير عبد الناصر ودعوته القومية لدحر الإنجليز وتوحيد الوطن العربي، كانت محطة عبد الناصر (صوت العرب) تغني أغاني العروبة باستمرار وبإنتظام؛ العروبة التي أصبحت في أيامنا تلك هويتنا الوحيدة، شعب واحد لا شعبين /‏ من مراكش للبحرين، هتاف آخر، مسيرات آخرى، تظاهرات، وَعَبَد الناصر معنا، على الجسر، وفِي شوارع المنامة والمحرق، عبدالناصر صورة محمولة بكثافة فوق رؤوسنا في المسيرات، عبد الناصر في قلوبنا، في بيوتنا، لا يخلو بيت في البلاد من صورة لعبد الناصر، وأحياناً في أكثر من غرفة في البيت الواحد، صور عبد الناصر في الدكاكين والمقاهي، عبد الناصر كان معنا دائماً وفِي كل مكان، ننام على صوته ونستيقظ على صوته فهو يخاطبنا، يخاطب كل العرب (كان خطيباً مفوهاً وبارعاً بصوت بلوري دافئ وعميق). وسمى الناس مواليدهم الجدد باسمه. كثرت أسماء ناصر في البحرين والوطن العربي، أصبحنا جميعنا ناصر. ألهمنا عبد الناصر. تيقنا مع القوة الناعمة التي حشدها في الإعلام المسموع والمرئي أن الاحتلال البريطاني لن يطول أمده. خاطب عبد الناصر الشعب العربي برمته، لم تكن ثورته في مصر مصرية فقط، كانت عربية. حرك عبد الناصر المياه الراكدة من حولنا، كان المارد العربي حسب تعبير تلك الأيام يستيقظ في كل البلدان العربية، كان عصراً ذهبياً قصيراً ذقنا فيه حلاوة العروبة والوحدة العربية وأوشكنا فيه أن نقترب من أهدافنا الكبيرة، استعادة فلسطين، لكن الأحلام لا تبقى طويلاً، ولابد للنائم أن يستيقظ.
إذن كان عبد الناصر ضيفاً عابراً مكث قليلاً لكي لا يثقل علينا، ربما جاء ليذكرنا بماضينا الذي بعناه بثمن بخس، بأوطاننا التي فرطنا فيها، بتاريخنا الذي نسيناه. جاء ذات نهار، وغاب ذات ليل. وبقينا نذكر زيارته القصيرة، حين كان كل شيء مختلفاً، حين كنا لا نعرف الضوء فأشعل لنا ناراً، ولا نعرف الطريق الى النور فدلنا عليه. ذقنا معه حلاوة الحرية، ونظارة النهار، وجسارة الفجر. غنَّينا معه أغنيات كانت ترحل بِنَا الى الأمل العربي، وتأخذنا الى ديارنا السليبة، وأحلامنا في الوحدة العربية والحرية. مع عبد الناصر كنا نشعر بالأمان والسلام، والرعاية. كان شمسنا المشرقة وأملنا الأخير، باسمه هتفنا، وهتف ملايين العرب: من المحيط الهادر /‏ الى الخليج الثائر /‏ لبيك عبد الناصر.
تلاحقت الثورات العربية بعد ثورة عبد الناصر في الجزائر واليمن والعواصم العربية الأخرى. ما أروع تلك الأيام. قبل عبد الناصر عشنا في ظلام دامس وخيبات كثيرة، وبعد عبد الناصر، تلاحقت النكبات والهزائم والانكسارات علينا. كانت فترة عبد الناصر هي الضوء الوحيد في ظلمة بدأت بعد القرن الثاني عشر للميلاد حيث دخل العرب في القرون المظلمة. حقاً ما قاله البعض، أننا لا نستحق عبد الناصر. أذكر عبد الناصر بشدة الآن والبلدان العربية تعيش أرذل تاريخها، نهباً للدول المختلفة، ذلك لأننا لم نتبع نصيحة عبد الناصر ولم نحافظ على أهدافه، ولَم نسر في طريقه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها