النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10905 السبت 16 فبراير 2019 الموافق 11 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:55AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06AM
  • المغرب
    5:31AM
  • العشاء
    7:01AM

كتاب الايام

عصر التنوير الإنجليزي

رابط مختصر
العدد 10737 السبت 1 سبتمبر 2018 الموافق 21 ذو الحجة 1439

لم يكنْ عصر التنوير الإنجليزي معروفاً وواضحاً مثل عصر التنوير الفرنسي، الذي تعرف العالم على رواده مثل فولتير وجان جاك روسو وديدرو ومونتسكيو وغيرهم، وسبب ذلك أن الثورة الفرنسية هي الأكثر شهرة وانتشاراً، وكان تأثيرها كبيراً على محيطها الغربي، وأثرت في النخب والطلائع السياسية في العالم. الثورة الفرنسية غطت واكتسحت كل الثورات الأخرى، كالثورة الأمريكية التي إنطلقت أيضا قبل الثورة الفرنسية.
بدأت الثورة الإنجليزية قبل مائة وعام واحد من الثورة الفرنسية فجاءت في العام (1688)، وسميت بالثورة المجيدة بعد أن عززت سلطة الشعب وقلصت سلطة الحكم الفردي المطلق، وبالتالي فالإنجليز هم أول من عرف النظام الديمقراطي في العالم. واختلفت ثورة الإنجليز عن الثورة الفرنسية  فكانت سلمية لم ترق فيها دماء كالثورة الفرنسية، لكنها حققت أهدافها.
ولكن هل كان هناك عصر تنوير إنجليزي، يشبه عصر التنوير الفرنسي في القرن الثامن عشر، أو يختلف عنه قليلاً أو كثيرا؟ نعم فالإنجليز عرفوا التنوير قبل الفرنسيين، ومن أشهر فلاسفة التنوير في إنجلترا الفيلسوف جون لوك، والفيلسوف آدم سمث. ويلقب جون لوك (بأبو التنوير) في الغرب، ولولا جون لوك الإنجليزي، لما كان فولتير الفرنسي، الذي أقر بتأثير جون لوك عليه، لكن ما الفرق بين التنوير الفرنسي والتنوير الإنجليزي؟ يرى بعض الباحثين أن التنوير الفرنسي اعتمد على العقل والعلم، العقل بصفته دالاً على التوجه الصحيح واستنباط الحقائق والافتراضات، كما أن العلم هو الاعتماد على التجربة والاختبار والفحص، أما التنويرالإنجليزي فقد بنى قاعدته على الأخلاق والفضيلة التي تقود الى الاهتمام بالإنسان بدافع الفضيلة والأخلاق. لكن كلا التنويرين اجتمعا على التوجه الإنساني، ولو أمعنا النظر قليلاً للاحظنا أن التفكير العقلاني يقودنا بدوره الى تغليب الحقوق الإنسانية، فكل ما هو غير إنساني هو غير منطقي وغير أخلاقي.
الإنسان كان هو الهدف الأول والأخير عند الفلاسفة الإنجليز والفرنسيين، ويقود هذا المنهج في البحث في كلا الحالتين الى النظم السياسية التي غالباً ما تكون السبب الرئيسي في تدهور الأوضاع الإنسانية، كما نرى الآن في العالم الثالث، فالنظم السياسية السيئة، والسلطة المطلقة تقود الى الاستحواذ على الثروة، وقمع المجتمع، ومنع الاحتجاج أو التغيير، لذلك كتب جون لوك في السياسة والأخلاق والفضيلة بهدف الوصول الى حلول للحياة الإنسانية الكريمة، كما تعرض التنويريون الفرنسيون الى مساوئ السلطة المطلقة على الإنسان.
كان التنوير الغربي بشكل عام يتخذ من الإنسان مادة للفلسفة والدراسة والبحث عن أفضل الوسائل لإسعاده، وتسهيل حياته. ويزعم بعض الباحثين أن كتاب جون لوك (مقالة في الفهم البشري) يعتبر هو نقطة انطلاق التنوير في الغرب، وفي هذا الكتاب يخالف جون لوك الفيلسوف ديكارت الذي اعتبر الأفكار عند الإنسان قبلية وتولد معه، فيما رأى جون لوك أن عقل الإنسان يكون في البداية مثل الصفحة البيضاء، ثم بالخبرة والتجربة يكتسب الأفكار والمعارف. إذن يعتبر جون لوك الذي اهتم بالحياة السياسية والاجتماعية والأخلاقية في عصره أبو التنوير الإنجليزي والغربي.
وكان التنوير الغربي الذي نبتت جذوره في القرن السابع عشر، وتبرعمت في القرن الثامن عشر هو نقد واحتجاج على الحياة السياسية، والهيمنة الدينية المستبدة. الفيلسوف الإنجليزي الآخر الذي كان له تأثير كبير على التنوير هو آدم سميث، وهو فيلسوف واقتصادي وأخلاقي، واشتهر بكتابه (ثروة الأمم)، وكان اهتمامه بالاقتصاد من وازع أخلاقي في الأساس. وفِي هذا الكتاب شرح آدم سمث فلسفته الأخلاقية، كما أولى اهتماماً بالعمال فطالب برفع أجورهم، ومساعدتهم فهم شركاء في الإنتاج، وكان يعتقد ان البشر متساوون في قدراتهم العقلية، وبناء على ذلك يؤكد (أن الفرق أو الاختلاف بين الشخصيات الأكثر تبايناً، بين الفيلسوف والحمال العام في الشارع لا يبدو أنه نتاج الطبيعة بقدر ما هو من العادة والعرف والتربية).
ونلاحظ في هذه الإطلالة السريعة والمبسطة أن عصر التنوير الإنجليزي والفرنسي، والغربي عموماً في القرنين السابع عشر والثامن عشر، قد مهدا أرضية خصبة للأفكار التي تلت هذين القرنين، في الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كما نلاحظ أيضا كم سبقنا الغرب في الفلسفة والفكر والسياسة ودراسة الأخلاق والفضيلة من منظور إنساني رفيع، فيما نحن نقف اليوم مترددين بين الأخذ بالفكر الغربي أو رفضه.
ونستطيع من خلال هذه الإطلالة على التنوير الغربي أن نلاحظ أن العقلانية التي لاقت قبولاً واسعا في الغرب في القرن الثامن عشر لا زالت بعيدة عن منظورنا الفكري والسياسي، كما سنلاحظ أيضا أننا لم ندخل في عصر تنوير عربي مماثل حتى الآن، أي أننا لا زلنا في المكان الذي تخطاه الغرب منذ قرنين، وبالتالي فهناك تعقيدات وعقبات كثيرة تفصلنا عن التقدم، هي في حاجة الى مراجعات فكرية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيتنا وظروفنا، حتى لا نتقهقر أكثر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها