النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

اليمين المتطرف يجتاح أوروبا

رابط مختصر
العدد 10730 السبت 25 أغسطس 2018 الموافق 14 ذو الحجة 1439

منذ فترة ليست بعيدة تعيش أوروبا حالة جديدة تغيرت فيها القناعات الشعبية وإتجهت نحو أحزاب اليمين المتطرف، في بلدان طالما كان فيها هذا اليمين سابقاً بلا صدى معزولاً في المجتمع، ولا يلقى اهتماماً ولا قبولاً من الناخب الأوروبي، ذي الثقافة الليبرالية التي تؤمن بقبول الأجناس الأخرى والتعايش معها، مما دفع بالملايين من الناس في العالم الثالث للهجرات التي تكاد أن تكون ممنهجة صوب الغرب، بحثاً عن حياة تحقق لهم الاستقرار والأمان الذي يفتقدونه في بلدانهم، حتى أصبح أعدادهم يصل الى الملايين، كان هذا سبباً رئيسياً لاتجاه قناعات الناخب الغربي تجاه اليمين المتطرف المعارض للهجرات والأجناس الأخرى القادمة من الشرق.
من جانب آخر، فالأزمات الاقتصادية في الغرب، خصوصا في العام 2008 فاقمت المشكلة، مع وجود ملايين العاطلين عن العمل. هكذا توافرت الظروف وهيأت لصعود اليمين المتطرف في بلدان ديمقراطية عريقة مثل فرنسا وبريطانيا والنمسا وسويسرا وبلجيكا والدنمارك والنرويج وبلدان أخرى. في البداية كان هناك تذمر عام من تدفق ملايين المهاجرين الفقراء والهاربين من الحروب الأهلية الى الشمال ليزاحموا المواطن الأوربي في رزقه ومعيشته.
من جوانب أخرى فالأحزاب التقليدية الليبرالية التي فتحت أبوابها للملايين القادمين من العالم الثالث وتجنيسهم ليصبحوا مواطنين لهم امتيازات المواطن الغربي وحقوقه، هذه الأحزاب انحسرت شعبيتها بسبب التهاون مع هذه الهجرات. شرائح كبيرة من المجتمع الغربي كانت تلاحظ هذا التصاعد المستمر والمكثف للأجانب المهاجرين مع تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية في بلدانهم.
اليمين المتطرف الغربي لعب على هذا الوتر الحساس في دعايته الانتخابية وشن حملات واسعة ضد الأجانب والمسلمين، بعد استفحال الخوف المتصاعد والكراهية في الأوساط الشعبية الغربية. خطورة اليمين المتطرف هي تطرفه الذي يبدو أنه لا يقف عند حد، فهو بشكل أو آخر قد يخلق مشكلات جديدة وتأزيم آخر في المجتمع، من خلال بث الكراهية والعداء للأعراق والقوميات المختلفة التي أصبحت جزءًا من المكون الأساسي في المجتمعات الغربية، فهذا اليمين يدعو لإحياء الفكرة  القومية الضيقة في مجتمعات كانت أكثر انفتاحاً على الآخر.
التصعيد اليميني المتطرف يذهب أيضا لاستغلال الدين بصفته مكون ثقافي وهوية تاريخية مهددة بالانحسار مع تزايد أعداد المسلمين، ولا ينسى هذا اليمين الذي يستغل العاطفة الشعبوية للتذكير بالحروب الصليبية، والنزاعات والإختلافات القديمة بين المسلمين والمسيحيين. وتزعم هذه الأحزاب أن المسلمين يشكلون خطراً مباشراً على الهوية الأوروبية. بهذا الإعلام المتدفق الممنهج استطاعت الأحزاب اليمينية المتطرفة الوصول الى مواقع لم تكن تقترب منها في الماضي، مثل البرلمانات المحلية والبلديات وحتى منصب الرئاسة والبرلمان الأوروبي. هذه الأحزاب باتت تتوغل وتتغلغل، ولا تقف عند حد.
من جانب آخر، فالليبراليون الذين استحوذوا على السلطة سابقاً قلقون من هذا الصعود الجارف، لأن اليمين المتطرف له عيوب خطرة مثل التهور وكراهية الآخر والتعصب، كما لا ينسى هؤلاء أن اليمين المتطرف النازي في المانيا كان سبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي بدأت بتمييز الأعراق وبالنزوع القومي المتعصب وكراهية الأجناس الأخرى. يأخذ اليمين المتطرف على المسلمين الذين يعيشون بينهم أنهم رجعيون ويكرهون الأوروبيين ويعيشون في مجتمعات مغلقه خاصة بهم، وهم (أي المسلمون) لا يؤمنون بالعقلانية وحقوق الإنسان والتعايش مع الآخر والاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، وأنهم سبب البطالة والجرائم في بلدانهم، رغم أن أحزاب اليمين المتطرف ذاتها لا تؤمن بقبول الآخر ولا المساواة وحقوق الإنسان، وهي في الغالب نازية في ميولها وتوجهاتها.
ومن تداعيات هذه الكراهية والتعصب ظهرت في فنلندا مجموعة تسمى (جنود أودين)، تجوب الشوارع بزعم حماية المواطنين من (الغزاة المسلمين)، كما تشكلت مجموعات مماثلة في بلدان غربية أخرى قامت بالاعتداء على المسلمين. ويخشى اليمين المتطرف من تغيرات ديموغرافية قد تنتشر في القارة الأوروبية إذا استمر تدفق الهجرات الواسع، بالإضافة الى أن المهاجرين يشكلون أيدي عاملة رخيصة تفاقم البطالة في بلدانهم. ويذكر الدكتور الباحث ماجد عبد الله المتخصص في الشؤون السياسية للدول الإسكندنافية والذي يعيش في السويد منذ فترة غير قصيرة (أن مفهوم أسلمة أوروبا قد حظي بنقاش واسع في أدبيات الأحزاب اليمينية المتطرفة، حيث يدعي هذا التيار أن المسلمين الذين يمثلون حضارة دونية يحصلون على فرص التغلغل والنفوذ بما يكفي لتشكيل تهديد للهوية الأوروبية). ماذا يخبئ المستقبل للقارة الأوروبية التي استقرت فيها الأمور نسبياً في النظم الليبرالية المنفتحة على الآخر سابقاً، وهل ستقف هذه الموجة اليمينية المتطرفة عند حد معين؟ لا أحد يعرف على وجه التحديد، إلا أن الغرب على أبواب امتحان جديد صعب وعسير كما أعتقد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها