النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

تأثير ابن رشد على الغرب

رابط مختصر
العدد 10723 السبت 18 أغسطس 2018 الموافق 7 ذو الحجة 1439

كان تأثير الفيلسوف العربي أبو الوليد ابن رشد الأندلسي (1126 - 1198) كبيرًا على الغرب، حيث لاقت شروحاته لأهم الفلاسفة الإغريق مثل أرسطو وأفلاطون، اهتمام الفلاسفة الغربيين الذين كانوا يبحثون آنذاك عن الفكر العقلاني الحر ليواجهوا به المد اللاهوتي المسيحي المهيمن على كامل الحياة السياسية والاجتماعية في بلادهم، في العصور الوسطى المظلمة. وكان رجال الدين المسيحي يدعون لمحاربة الفلسفة والمنطق في ذلك الوقت، ويحرمون الاطلاع عليها باعتبارها تدعو للكفر والإلحاد حسب رأيهم، وفِي اللحظة التي إنتبه فيها الغرب الى الفكر الرشدي وأقبلوا عليه، وهي نفس اللحظة التي كانت الحضارة العربية فيها تقترب من الأفول تصدى الفقهاء الأصوليون لفكر ابن رشد وكفروه وأحرقوا كتبه، ولولا أن كتب ابن رشد كانت مترجمة الى اللغة اللاتينية، لاختفى الكثير من تراثنا الفكري الذي يكرس العقل والمنطق والتفكير الحر، وقد خالف ابن رشد الفقهاء العرب والمسلمون الذين كانوا يحرمون الأخذ بثقافة وعلوم الأمم الأخرى آنذاك، فدعى الى إجازة الاستفادة من علوم الأمم الأخرى المتقدمة كالإغريق، وعزز هذا الرأي بالمنطق، وبالشريعة هو الفقيه الفيلسوف، وكان الغرب في تلك اللحظة ينهل من الفكر الرشدي في السياسة والأخلاق والفلسفة، فيما كان الفقهاء الأصوليون العرب والمسلمون يزعمون أن فكر إبن رشد يظلل الناس ويبطل المعتقدات الدينية.
عُرِف ابن رشد في الغرب بتعليقاته وشروحه لفلسفة وكتابات أرسطو والتي لم تكن متاحة لفلاسفة الغرب باللغة اللاتينية السائدة في بلدانهم في العصور الوسطى. وقبل عام 1100م كان عدد قليل من كتب أرسطو في المنطق هي التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية على يد الفيلسوف المسيحي بوتيوس. وبعد أن انتشرت الترجمات اللاتينية للأعمال الأخرى لأرسطو من اليونانية والعربية في القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، أصبح أرسطو أكثر تأثيراً على الفلسفة الأوروبية المحدثة في ذلك الوقت.
وقد أسهمت شروح ابن رشد التي ترجمت الى اللاتينية في الغرب على ازدياد تأثير أرسطو في بلدانهم. كان تأثير ابن رشد واضحاً على الفلاسفة المسيحيين من أمثال توما الأكويني، والفلاسفة اليهود من أمثال موسى بن ميمون وجرسونيدوس. وعلى الرغم من ردود الفعل السلبية من رجال الدين اليهودي والمسيحي على  كتابات ابن رشد إلا أنها كانت تدرس في جامعة باريس وجامعات العصور الوسطى الأخرى.
 وظلت المدرسة الرشدية هي الفكر المهيمن في أوروبا حتى القرن السادس عشر الميلادي. وقد قدم كتاب إبن رشد المشهور (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) تبريراً لتحرير العلم والفلسفة من اللاهوت، وبالتالي اعتبرت الفلسفة الرشدية التي انتشرت في الغرب تمهيداً للعلمانية الحديثة. ونتيجة لتأثير ابن رشد الواسع في الغرب أصبح له أنصار ومريدين سموا بالرشديين. إذن ليس صحيحاً ما ادعاه الكثير من الباحثين الغربيين المعاصرين أن الغرب نهض بذاته دون معونة أو تأثير من الثقافة العربية، وأن الغربيين اعتمدوا في نهضتهم بعد القرون المظلمة على التراث الإغريقي والروماني الذي وجدوا مخطوطاته في الأديرة، رغم أن الكثير من المؤرخين والباحثين الغربيين يخالفون هذا الرأي ويؤكدون أن الغرب مدين في نهضته للعرب وتراثهم العلمي والفلسفي. ويتسائل الباحث الغربي كورد دبيبوف ويقول: إذا كان هذا الزعم صحيحا إذن ما معنى وجود ابن رشد في جدارية مدرسة أثينا (وهي جدارية مشهورة للفنان الإيطالي رافائيل رسمها في بداية القرن السادس عشر وهي تمثل كبار الفلاسفة وهم يتحاورون في الفلسفة ومن بينهم ابن رشد)، جنبا الى جنب مع فلاسفة الإغريق مثل سقراط وأفلاطون وأبيقور؟ ولم يضع الشاعرالإيطالي الشهير دانتي (القرن الرابع عشر) ابن رشد في ديوانه الشعري (الكوميديا الإلهية) مع أرسطو وأفلاطون وفلاسفة الإغريق العظام.
إن تأثير ابن رشد الفلسفي يبدو جليا الى الحد الذي لا يمكن إخفاؤه. وللأسف الشديد فإن محاربة ابن رشد من أبناء جلدته كانت وبالاً على الأمة العربية والإسلامية، فلو أخذ العرب أفكار ابن رشد منذ القرن الثاني عشر ميلادي لتغير التاريخ العربي برمته، ولكنا متقدمين كما تقدم الغرب. ويذكر الباحث راكون أن سقوط الأندلس كان يوم أحرقت كتب ابن رشد، ونهوض أوروبا كان يوم احتفى الغرب بكتب إبن رشد فيا للمفارقة، وهل يعاد الإعتبار لهذا الفيلسوف الذي أهملت كتبه وأفكاره قروناً طويلة؟ ليس غريباً إذن أن يلتفت الباحثون العرب هذه الأيام لابن رشد لبناء نهضة جديدة، فلا زالت أفكاره صالحة ومتقدمة على الفكر السائد في الوطن العربي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها