النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10967 الجمعة 19 أبريل 2019 الموافق 14 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

مساوئ السلطــــة المطلقــــة

رابط مختصر
العدد 10716 السبت 11 أغسطس 2018 الموافق 29 ذو القعدة 1439

السلطة عند المفكر الفرنسي ميشيل فوكو هي شبكة قوى متعددة قائمة في المجتمع لا يفلت منها أحد على تعددها وتنوعها، فهي موجودة في الحضانة والمدرسة والخدمة العسكرية والسجن وأماكن أخرى.

يتحدث فوكو عن السلطة موضحًا أنها تكبر وتتمدد وتتحكم في مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية، فيسمي السجن بوحش السلطة، ويرى أن السلطة تتجاوز الدولة والنظام، فهي حالة يومية مستمرة موجودة بأشكال مختلفة في مؤسسات مختلفة.

في بداية القرن العشرين، قبل فوكو يكتب فرانز كافكا الكاتب التشيكي عن السلطة ويتحدث عنها بالتفصيل، وهو يعتقد أن القوانين هي آلة السلطة التي تعزز وجودها، وتبرر قراراتها وأوامرها ونواهيها، فلولا القوانين لضعفت يد السلطة. قد تكون هذه القوانين مكتوبة وثابتة، وقد تكون أعرافاً لها قوة القانون، كما هو الحال في سلطة المجتمع، الذي يعتمد على ثوابت وتقاليد وقيم متوارثة لا يمكن اختراقها أو تغييرها أو تجاهلها، لكن هل تأتي هذه القوانين والأعراف على الهيئة التي تخدم المجتمع؟ لربما تكون كذلك وربما تكون العكس تمامًا، فالقوانين التي تضعها الدولة الجائرة لتمثل سلطتها ستكون قوانين جائرة لا تخدم المجتمع، فهي توضع وتقنن على الهيئة التي تخدم أصحاب السلطة وأركان الدولة، وغالبًا ما تكون هذه القوانين مساعدة على التسلط، وتفتح ثغرات تضر المصالح العامة للمجتمع، فإنتشار الفساد مثلا يكون بسبب قوانين غير صارمة. التجربة الإنسانية الطويلة مع السلطة السياسية للدولة أكدت ذلك، عبر القرون، حين كانت السلطة مطلقة للملك أو الإمبراطور أو الحاكم. لقد أثبتت السلطة المطلقة عبر التاريخ أنها تجيير القوانين في صالحها، مما يسمح لها بالتصرف في البلاد والعباد، والتحكم في الثروة الوطنية التي يثري منها أصحاب السلطة، وكأن البلاد هي ملكية خاصة لها فتستحوذ على ثروتها، وتمنح الحاشية والأنصار والموالين لها، وتمنعها عن من تشاء، وغالبًا عن القوى المضادة لها، وفي هذه الحالة تشيع السلطة التمايز في المجتمع، وتسوء الأحوال المادية للناس. وغالبًا يعيش الناس في حكم السلطة المطلقة في أحوال سيئة ومزرية.

وفِي غياب المراقبة والمحاسبة ينتشر الفساد في الدولة والحكومة وأركانها، ويستفيد الأقوياء والمتنفذين في أعلى السلطة، ويتضرر المجتمع من تبعثر الأموال العامة وضياعها، ولنا في أنظمة دول العالم الثالث أمثلة واضحة فيما ذهبنا إليه، والوطن العربي لا يستثنى من ذلك.

الخبرة البشرية العامة لاحظت هذه الأعراض والظواهر والمثالب في الأنظمة والدول والسلطات، ثم وجدت أن خير وسيلة لتخطي هذا الإشكال الصعب والخطير، هو أن تكون السلطة في يد المجتمع، لكي يقررالناس حياتهم ومعاشهم ومصالحهم، وليكن ذلك على هيئة برلمان منتخب عبر نظام ديمقراطي، وفي هذه الحالة ستكون الأضرار أقل كثيرًا، فالناس في الغالب تعرف مصالحها، وهم حين يشرعون فسيصدرون قوانين تصب في صالحهم، لا في صالح نخبة قليلة في المجتمع، وهم حين يراقبون السلطة عبر المجالس النيابية سيمنعون كل ما يضر بالصالح العام.

هكذا نشأت فكرة البرلمان والانتخابات وحرية الصحافة وهو ما يميز المجتمعات الحديثة الناجحة. نشأت هذه الأفكار في الغرب بحكم كونه هو الأكثر تطوراً وثقافة وحضارة، وأدت هذه المتغيرات في الغرب الى الاستقرار والتنمية والرضا العام، والثراء أيضًا الذي عّم خيره كامل المجتمع.

لكن الوضع في العالم الثالث لا زال متأرجحًا بسبب الجهل الفاحش الذي تستغله السلطة لخداع المجتمع الذي تربى في ظل السلطة المستبدة على ثقافة تجيز وتبرر سلبيات وجرائم هذه السلطة، في ظل ثقافة منحازة لها، تكرس سلطتها ونفوذها، لتطيل أمد السيطرة والاستغلال، وقد يستخدم الدين من قبل هذه السلطة في غير الوجه التي جاءت بها الأديان لنشر العدل والمساواة.

دور الثقافة المستنيرة في هذه الحالة يصبح حاسمًا، فهي تنقل المجتمع من الجهل الى الوعي بالحقوق، كما أن التفكير العقلاني في الثقافة غالبا ما يقود الإنسان الى الفكر الأرجح والنظام الأفضل. كانت الثورة الفرنسية التي عمت بعدها ثورات مماثلة في العالم، تعصف بالأنظمة الإستبدادية المطلقة وتلقيها طَي النسيان وتزرع حقولا وحقوقا جديدة للإنسان تكرس سلطة المجتمع وحقوق الإنسان، ورغم أن الثورة الفرنسية تعثرت في بداياتها، إلا أنها لم تلبث أن هدأت واستقرت، ولو بحثنا عن السر في استقرارها، لوجدنا أن ثقافة المجتمع الفرنسي إبان الثورة اعتمدت على ثقافة عصر التنوير العقلاني الذي تكرس خلال قرن كامل قبل الثورة، لذا تبدو الثقافة هي الحل الأكمل للانتقال السلس من السلطة الفردية المستبدة الى السلطة الشعبية التي تعمل لمصلحة الأغلبية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها