النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

جحود الناس عند الهزيمة

رابط مختصر
العدد 10711 الإثنين 6 أغسطس 2018 الموافق 23 ذو القعدة 1439

أمضيت صيف هذا العام 2018 في متابعة غرائب مونديال كأس العالم في روسيا، حيث هجرت متابعة كرة القدم التي كنت ذات يوم متعلق بها تعلقاً كبيراً في ريع الشباب وزهوه، ومن عاش وادرك مكابدة التمارين الرياضية بنفسه، وعايش ايضا مرارة الهزيمة وفرح الانتصار بالضرورة لا ينكر الفرق بينهما، فطعم النصر والنجاح أكثر وقعاً على النفس من وجع الهزيمة والخسران. ومع ذلك لابد وان ننصف «جيشنا الرياضي» الذي ذهب لمعارك بعيدة على أمل العودة لنا بتلك الكأس الذهبية، ولكنه لم يحظَ بفرصة الفوز الكبير. بنفس الدرجة على الشعوب أن لا تقف مع هزيمة جيشها بجحود عند خوض المعارك الحربية مع العدو، إذ الواجب يقتضي العكس تماماً، فالمطلوب هو إسناد الجيش في معاركه وشد أزره كونه يدافع عن قضية الوطن العادلة، فهم من يقدمون التضحيات الجسام من أرواحهم الثمينة والغالية من أجل الوطن، في لحظة نكون نحن اكثر من متفرجين، ومع ذلك بدلا من المؤازرة الفعلية، يجد ذلك الجيش ان عدوه الجديد ناس من أهله وشعبه المتأففين لهزيمته ومستنكرين لتضحياته، دون أي تقدير حقيقي لمسألة، أن الحروب التي تخاض ليس بالضرورة أن نكون فيها نحن الغلبة المنتصرين، بقدر ما أن ذلك الجيش قام بواجبه الوطني في تقديم تضحياته بنفسه في تلك الجبهات القتالية دفاعاً عن وطنه، فيحدث دوماً أن أقوى الجيوش وأكبرها تنهزم من الطرف الاخر وتعود للوطن مثخنة بالجراح، مكسورة بالتقهقر العسكري. فهل ينبغي من أي شعب تجرع المرارة وحدها، وتقديم لعناته وسخريته على جيشه؟.
هكذا كانت ملاحظاتي المونديالية على شعوب وجماهير عريقة في بلدان كروية، وجد فيها المنتخب المهزوم في تلك المونديال الشتم والبذاءة وقذائف واحجار وطماطة وهتافات سيئة وسخرية وقحة، لمجرد أن الفريق خسر في لحظة من لحظات التنافس أمام الفريق الآخر.
هل كان يتمنى الفريق المهزوم نفسه، العودة للوطن بدون ذلك الكأس الذهبي، ليقدم لهم المنتخب أجمل هدية سينساها أؤلئك الناس المتوترين المهسترين بعد أسابيع، دون ان يقدروا كم من الوقت امضاه اللاعبين بطاقم الادارة والتدريب من معاناة وتوتر شديدين فترة التحضير والتدريب.
هذا الجحود الشعبي المؤسف في طريقة استقبال منتخب بلادك بالسخرية والتندر لمجرد أنه عاد خاسراً، يترك أثراً سيئاً اضافياً لمشاعر اللاعبين وطاقم التدريب، بعكس تصرفات وسلوك نفس الناس عند فوز وانتصار فريق بلادهم، فما هو الذنب الذي اقترفه الفريق لمجرد الهزيمة في ساعات قليلة من التنافس، لم تكن فيها الفرص مواتية ولم يكن الفريق في أحسن حالاته، وقد تخونك قدمك المرتجفة وأنت تحاول تسديد ضربة الجزاء بإحكام ولكنك تخفق في تحقيق الهدف، فتكون معاناتك في تلك اللحظة اقسى من طعنة سكين في موضع القلب، إذ ينتابك تأنيب ضمير عظيم كونك المتسبب الاول في فقدان ذلك الكأس.
 هذا الشعور لا يفارقك أبدًا لحظتها أو حتى بعد سنوات من الخيبة، حين تلتفت للملايين التي كانت تهفو أفئدتها نحوك بعذوبة النصر «العظيم !».
لقد مررنا بتلك المشاعر نفسها، ولكن بمستوى أقل من المرارة والحسرة، كوننا كنا لاعبيين صغار في ملاعب صغيرة وبلد صغير، جمهوره العاطفي أقل قساوة من شعوب بلدان أخرى. لا أخفي عليكم مدى حزني للفريق البرازيلي وبشاعة استقبال موكبه العائد بخسة شعبية، واتخيل نفسي مكان اللاعبين المحبطين مرتين، مرة من فقدان الكأس ومرة أخرى من فقدان احترام ودعم جماهير بلادهم لهم عند الهزيمة.
كان محقاً جيانو غالياتسو وزير خارجية الحكومة الفاشية في عهد موسوليني حين قال: «للنصر مئات الاباء أما الهزيمة فإنها يتيمة».
هكذا نحن نعيش بعاطفتين متناقضتين تنقلب الواحدة على نقيضها وتحددها لنا اللحظة التاريخية، فهي وحدها «الحالة الانسانية الانفعالية» من تصنعنا كبشر بدلاً من أن نصنعها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها