النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

رسالة اعتذار عن البكاء..

أخوالي الأعزاء، الوجع أكبر مني ومنكم.!

رابط مختصر
العدد 10711 الإثنين 6 أغسطس 2018 الموافق 23 ذو القعدة 1439

لم أكن أحسب أن يأتي يوم تصبح فيه الدمعة في عيني سخية رخية سهلة مثلما أصبحت عليه اليوم.!
فقد نشأت بين أخوالي في أعماق الصحراء، في قبيلة عربية شريفة، وهم شداد، لا تعرف الدموع إلى عيونهم طريقا، وبكاء الرجال عندهم مصيبة ومعرّة وضعف. فالرجل عندهم شديد جلد، صبور، لا يتكلم إلا بمقدار، لا يثرثر ولا يهذر إلا في حالات ضياع العقل والهمة.
يفرحون - عند الفرح - بإطلاق البارود في الهواء أو برقصة الاستعداد للقتال. صوت صهيل الخيل يرحب بالقادمين إلى خيامهم البدوية، تعبق برائحة الصحراء بعطر «الشيح»، وطلائع الفرسان على ظهور المهاري، يلتحفون عمامات بيضاء، تذروها الرياح الصيفية القاسية.
ولذلك، عندما كان يجتاحني الحزن أو حتى الألم الشديد، يصيبني تجهم واحتباس في الكلام، ولكن الدمعة تكون عصية ثمينة لا تقوى على الانفلات في لحظة الضعف. فالماكنة الثقافية البدوية العربية، أقوى من أي حزن وأشد جلداً من أي ألم، مهما كان عظيماً لا يحتمل. وحتى في الحالات النادرة التي يضطر فيها الواحد أن يبكي، فإنه ينتبذ مكاناً قصيّا، حتى لا يراه أحد! وقد كان جدي رحمه الله يردد: «إذا بكى الرجال فاعلم أن القهر قد فاق احتمال الجبال».
ولكني اليوم أجد نفسي وقد اجتاحها ضعف، وصرت بكَّاءً، تسبق الدمعة الشعور بالوجع يسري إلى قلبي، عندما أرى الإنسان في لحظة الضعف يموت، أو يجوع، أو يتألم من ضيم أو من قهر، أو يهمل إلى حد العدم. وعندما أنظر إلى حال العرب المنقولة صورها عبر الفضاء الدامي، يموتون جوعاً أو قهراً أو ظلماً وتشريداً، وأطفالهم في العراء بلا مأوى، ولا ماء ولا ثمر ولا كرامة. عندما استمع إلى طفل يصرخ في الفلاة وحيداً، أو يغرق في بحر الهروب مختنقاً، أو ينادي في أسواق الغرباء شحتاً: (من شان الله!!)، يستبد بي الوجع إلى درجة الموت، فيقل كلامي، وأنقطع عن الدنيا ومباهجها، فأقسو على نفسي وأنكمش، وتخامرني فكرة الرحيل، فأجد نفسي هواء وقلبي خواء، فأبحث عن سبيل يفعل في النفس فعل الخمرة القديمة تسري في دمي، فلما لا أجد من ذلك إلا رجعاً بعيداً، أغالب الدمعة فتغلبني. وأكذب على النفس فتسخر مني. وتذهب عليّ حياتي سدى. وتصبح كضرب من الحرث في البحر، والنفخ في الريح!! فلما يغلبني الوجع، وتفنى عصاتي وأجرب الرحيل بلا جدوى، تضيق بي الآفاق، وينهد كياني، فأحزن وأشتاق الهرب من عالم الصور والأصوات. فأنادي: يا رب انسني بفنائك وارحمني. فاذا هو معرض عني، وأنا في حيرتي ووجعي أبكي!!
اليوم ليس أمامي، إلا أن أعتذر من أخوالي، طالباً العفو منهم، لأني كسرت قاعدة الرجال الذين لا يبكيهم ألم ولا وجع. فاقبلوا عذري أيها الأعزاء، فالوجع أكبر مني ومنكم.!!
المعاني الباقيات
قبل سنوات قصصت هذه الحكاية في سياق آخر، وأعود اليوم لأقصها مختصرة، في سياق آخر. فقبل سنوات عديدة وصلني خطاب من الوالد رحمه الله، يقول فيه: «أرجو عمل ما يلزم لإخلاء الغرفة من كتبك الكثيرة التي لم تعد لها أية فائدة، يعلوها الغبار، ولا أحد يطالعها. فأنا في أمسّ الحاجة للغرفة لأستفيد منها فيما هو مفيد، وإذا لم تجد حلاً في أقرب وقت ممكن، فإنني سأضطر إلى إخلائها جميعاً، وتوزيع الكتب بالمجان على من يرغب فيها».
وبعد عدة أشهر نفذ الوالد رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، وعيده ووزع الكتب على طلبة المدارس المجاورة، وكان عددها يزيد عن ألفي كتاب. إلا أن الطريف في الأمر انه قد أبقى عدداً منها لاستخدامه الشخصي (!) فاحتفظ بحوالي ثلاثين ديوان شعر، بين قديم وحديث، منها ديوان المتنبي ولزوميات أبي العلاء المعري، ودواوين البحتري وأبي نواس وبشار بن برد وابن الرومي والمعلقات السبع، ومجموعات شعرية لنزار قباني ومحمود درويش والبياتي وتوفيق زياد وغيرها. وعندما سألته في الاجازة الصيفية: لماذا احتفظت بهذه الكتب دون غيرها، قال دون تردد: «إنها يا ولدي دواوين شعر، ومن عساه يفرط في الشعر، وهو كل ما نمتلك!؟».
حكاية أخرى
أصدرت قبل سنوات مؤسسة الفنون والآداب الوطنية في الولايات المتحدة الامريكية مجموعة قصائد وأغانٍ كتبها جنود أمريكان كانوا يحاربون في أفغانستان والعراق، حيث تبنى البنتاغون المشروع، وأرسل شعراء وأدباء إلى القواعد الأمريكية في البلدين، لتعليم الجنود كيف يكتبون قصيدة أو أغنية. وقد نشر عدد من هؤلاء الجنود دواوين وقصائد مليئة بالغنائية والتأمل في الحياة والموت، ومن أشهرها قصيدة الجندي الأمريكي «برنار تيريز» التي أصدرها مع مطلع العام الماضي 2006م بعنوان «إنني هنا أيتها الرصاصة».
والسؤال من وراء الحكايتين هو: ما الذي يجعل رجلاً متقدماً في السن مثل والدي يحتفظ بدواوين الشعر، مفرطاً فيما عداها، بما في ذلك كتب التاريخ والاجتماع والسياسة والفلسفة والنقد الأدبي والقواميس؟ وما الذي يجعل البنتاغون وهو يصدر الحروب ويوزعها على الأمكنة العربية والإسلامية بالتساوي، يرسل الشعراء يعلمون جنوده في أرض المعركة كتابة الشعر، وليس كتابة الفلسفة أو التاريخ على سبيل المثال؟
بين الحكاية الاولى والحكاية الثانية رابط واحد، وهو ان الشعر يظل القاسم المشترك بين جميع البشر يجتمعون حوله وإن تقطعت بهم السبل، وتوزع أهواؤهم ومواقفهم وحروبهم العبثية من أجل المال والأرض والمغانم الزائلة!.
همس
للحظة الغياب خمر،
ولليل مزامير تغني:
لا يكتمل العشق
بعد فوات الأوان.
الصوتُ المهاجر في الفيافي،
وقلب، يجلس في بوح الصدى، نثر.
لهذا الليل الطويل صوتٌ، وحلم لا يجف.
أيها القلب لا تغدر بي،
فللعمر رجع!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها