النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

بــطــولــة الإنــسـان الـــعـــادي

رابط مختصر
العدد 10709 السبت 4 أغسطس 2018 الموافق 21 ذو القعدة 1439

قد يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، لولا أن البشر لم يفهموا هذا الإنسان العادي ودوره في الحياة لفترة طويلة من الزمن، حتى جاء العصر الحديث فأعاد لهذا الإنسان اعتباره، إذ أصبح هذا الإنسان العادي يسقط حكومات ودولاً ويثبت حكومات ودول بصوته، قبل ذلك كان الإنسان العادي لا أهمية كثيرة له، وهل يمكن للإنسان العادي أن يكون بطلاً؟ دعونا ندخل في التفاصيل للتوضيح أكثر. 

ظل الأدب في العصور القديمة يكتب عن الملوك والقادة والأبطال الخارقين، فلما جاءت القرون الأخيرة، في أواسط القرن التاسع عشر مع نمو الثقافة الإنسانية في الغرب اختار الأدباء هذا الإنسان العادي ليكون بطلاً للروايات والقصص. كان الأبطال في الروايات والقصص القديمة هم أشخاص خارقون مثل أخيل في الألياذة عند اليونان وعنترة بن شداد عند العرب ورستم عند الفرس، ولَم يكن الإنسان العادي في حساب المؤلفين والكتاب، فهو عادي، رغم وجود بعض الروايات والقصص التي كان أبطالها عاديون مثل علي بابا والأربعين حرامي أو علاء الدين والفانوس السحري. 

وإذا كان الإنسان العادي يأخذ بعض بطولات القصص القديمة، إلا أنه لم يكن له  الاعتبار الكبير الذي منحته العصور الحديثة. 

وظل الأدب في الماضي يكتب على هذا المنوال أحقاباً طويلة، لكن العصور الحديثة شهدت تحولاً جذرياً في مفهوم البطولة واستحقاقاتها، فتحول الاهتمام الى الإنسان العادي بصفته بطلاً، وبدرجة كبيرة من الاهتمام بدوره البارز في الحياة، وبطولته المدهشة في مواجهة أقداره الصعبة التي تتنوع وتتعدد في مرافق الحياة الكثيرة. 

ظهر الإنسان العادي باحتفاء كبير في الغرب في الأدب المسمى بالواقعي، والتسمية تدل على المسمى، فهذا الأدب يتوجه الى رصد أحداث الواقع وتناول شخوصه العاديين في الحياة اليومية. كان هذا التحول واضحاً في قصص تشيخوف الروسي وموباسان الفرنسي، ولاحقاً في بعض قصص نجيب محفوظ. 

ثم كان هذا الانتشار للأبطال غير العاديين من الناس العاديين في الأدب. 

إن البحار البسيط سانتياغو بطل رواية الشيخ والبحر للكاتب الأمريكي أرنست همنغواي هو إنسان عادي، بحار يعيش على صيد السمك، ويعيش مثل الآلاف من صيادي السمك الذين نراهم ونألفهم في حياتنا، ولا نرى فيهم شيئاً مميزاً، لكن إرنست همنغواي صنع من البحار العجوز سانتياغو الذي يعيش في مكان ما معزولاً يصارع البحر في سبيل رزقه بطلاً، وسانتياغو لم تمنعه شيخوخته عن الاستمرار في عمله، إن سانتياغو هو نموذج واحد لبشر كثيرين عاديين بالملايين، قد لا نلتفت إليهم في الحياة اليومية، لقد أعطت هذه الرواية جائزة نوبل لهمنغواي، وأعطت ملايين القرّاء درساً في الكفاح من أجل البقاء وفِي أقسى الظروف، وهي تماماً نفس الظروف القاسية للناس العادين، هذا ما يصوره الأدب الحديث. 

غريغوري سامسا بطل الروائي العالمي التشيكي كافكا هو موظف عادي في شركة يعيش في خوف دائم على لقمة عيشه، يخشى مديره في العمل، ويخشى انقطاع رزقه، ويشعر أنه لهذه الأسباب مهدد في حياته وعرضة لمشاكل وآلام غامضة أو واضحة كالفصل من العمل والكوارث والمرض والمخاوف الكثيرة. 

بقليل من التمعن سنرى أننا كلنا معنيون وواقعون تحت هذه الظروف، وأننا مهددون في حياتنا، وفِي حالات أشد يشعر بطل رواية التحول لكافكا غريغوري سامسا أنه مسحوق كحشرة، وعندما يستيقظ في الصباح يكتشف أنه تحول بالفعل الى حشرة كبيرة. أول ما يطرأ عليه وهو في هذه الحالة المزرية غير الإنسانية هي رئيسه في العمل وانقطاع رزقه، فهو لا يستطيع أن يعيش بهذه الهيئة المخيفة ولا أن يذهب الى العمل، الترميز واضح هنا، إن غريغوري سامسا الإنسان العادي يشبه ملايين من الناس الذين يعيشون تحت سطوة المؤسسات الحديثة، وعبوديتها. 

إن الإنسان العادي يعاني كل هذه العذابات والمخاوف التي تغمره بالقلق، ذلك الذي يؤدي في أحيان كثيرة الى عواقب صحية تضع على هذا الإنسان عبئا آخر، ومع ذكر المرض فالإنسان العادي معرض للكثير من الأمراض والأسقام والمخاوف الصحية، وهو يقاوم كل هذا ببطولة وصبر وصمت وهو يعبر دروب الحياة الشاقة. 

ما رأيكم في العمال الآسيويين العاديين الذين يعملون أعمالاً شاقة في لهيب الشمس في الصيف حتى الإغماء لكي يطعموا أطفالهم، متحملين مشاق الغربة والتعب، هؤلاء هم بشر عاديون وأبطال في نفس الوقت. من جهة أخرى فالإنسان العادي يرزح تحت أثقال الهموم المعيشية أكثر من غيره وهو يفكر في مصيره ومصير أولاده في عالم مخيف لا يكترث فيه الآخرون إليه، فهم أيضا مشغولون في صراعاتهم اليومية مع أقدارهم، فلنتأمل المشهد العربي الحالي ونعدد المآسي التي يرزح تحتها الإنسان العادي في سوريا والعراق وليبيا ولبنان وفلسطين والدول الإفريقية، ولننظر الى الهجرات الخطرة من الشرق والشمال الإفريقي الى أوروبا التي يتعرض لها هذا الإنسان العادي، بحثا عن ملاذ آمن، في قوارب صغيرة مثقلة بأعداد كبيرة من البشر الذين يموتون غرقاً. 

أليست هذه الأعمال بطولية ومعجزة وتدعو الى الإعجاب والدهشة؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها