النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الثقافة والثورة الاتصالية

السيطرة على المستقبل أو الغرق فيه

رابط مختصر
العدد 10706 الأربعاء 1 أغسطس 2018 الموافق 18 ذو القعدة 1439

يؤدي الحديث عن منظومة المعلوماتية وتأثيرها في حياتنا، والحاجة إليها في أي مجتمع المعلومات الذي يروم التفاعل مع العالم الجديد بشكل إيجابي إلى إعادة صياغة الحياة والدفع بها إلى مسافات بعيدة من التقدم، إذا ما تم توظيفها على نحو فعال ومخطط له. وتتغير الحياة بكافة أوجهها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والصناعية، وفي مجال العمل والوظائف والانتاج، بفضل هذه الثورة التقنية الاتصالية، إلى الأفضل في الغالبية العظمى من الأحوال، شرط أن يحدث معها تفاعل حي وإدراك واع وتوظيف إيجابي. 

وهذا تقريباً ما يحدث في أغلب البلدان التي تقدمت ونهضت بفضل هذا التطور التقني والاتصالي المذهل الذي سبقه من دون شك تحولات في الفكر والثقافة وأنظمة التعليم، مما أدى إلى إعادة صياغة الحياة في كافة جوانبها: التعليم والعمل والموارد والعلاقات في مختلف المستويات مما تطلب ثقافة جدية أو نظرة جديدة للثقافة، وذلك لان الثقافة في عصر المعلومات والاتصال أصبحت صناعة قائمة بذاتها، ولم تعد مدينة إلى أحاديث الصالونات وسجال المنتديات والأندية الثقافية، ورؤى المقاعد الوثيرة وتكرار الجدل حول البديهيات، فقد أصبحت الثقافة محور عملية التنمية الاجتماعية الشاملة كما أصبحت تكنولوجيا المعلومات هي محور التنمية العلمية والتكنولوجية. فالمعلومات هي المورد الإنساني الوحيد الذي لا يتناقص، بل ينمو مع زيادة استهلاكه حتى أصبحنا اليوم نتحدث عن اقتصاد المعلومات أو اقتصاد المعرفة، والثقافة تصنع الموارد البشرية كما هي صنعتها، والاستيعاب الثقافي للتقانة هو الأساس للتقدم والتنمية.

لقد نجح الاقتصاد متضامناً مع السياسة في التهوين من قدر الثقافة، وعولمة الاقتصاد تقود قافلة العولمة جارة وراءها عولمة الثقافة، فالتكنولوجيا في أحوال كثيرة أسرع من العلم، والعلم أسرع من الاقتصاد، والاقتصاد أسرع من السياسة، والسياسة أسرع من الثقافة، أي أن (الثقافة) في ذيل القافلة، فهي ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي ثمارها وتترسخ، ولكن السياسة وحركة الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والأسواق تتغير بسرعة، فما يظهر مذهب فكري أو اجتماعي حتى يلحق به ما يناقضه أو ما بعده، فبنيوية الستينات أطاحت بها التفكيكية وما بعد البنيوية، والحداثة تتجاوزها ما بعد الحداثة، ونجد مصطلحاتٍ ورموزاً كثيرة تعبر عن هذا التسارع والنفي المستمر والتجاوز وحتى القطيعة، تعبيراً عن تحولات غير عشوائية، ذات دلالة خاصة تعكس فكراً ورؤية، ولذلك كانت تداعياتها عميقة ومؤثرة ونقلت شعوباً عديدة من التخلف إلى التقدم، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وحتى ماليزيا والصين. فلتلك التحولات على درجة من الأهمية والعمق إلى درجة أنها جعلت الدراسات المستقبلية والتخطيط الاستراتيجي موضع شك من حيث السيطرة الكاملة عليه، مما يطرح تحديات كبرى على الفكر البشري وعلى الثقافة، ما نزال بعيدين عنها. إن الثقافة المستنيرة الرؤيوية أصبحت اليوم شاغلاً أساسياً للجميع بعد أن اتضحت أولوياتها في عملية التنمية بالإضافة إلى كونها من أهم صناعات عصر المعلومات، ولذلك عادت الأسئلة التي أخفاها القرن العشرون في غمرة التخصص الدقيق والفصل بين العلوم والمعارف والثقافة لتطرح من الصفر معظم القضايا الثقافية والاجتماعية. ولم يعد التنظير الثقافي الحديث يقبل بالفصل بين ثقافة النخبة وثقافة العامة، ويتجه نحو دراسة الثقافة وهي تعمل على نحو ديناميكي في إطار البنى الاجتماعية العريضة في صورة خرائط ثقافية ومسوح إحصائية وقواعد. 

قول على قول

وردني تعقيب من أحد الأصدقاء يثري مقالة سابقة حول أزمة العرب الحضارية (الذين صبحوا على هامش التاريخ المعاصر)، جاء فيها: «لقد شخصت واقعنا الأليم، وحالة التشظي التي تمر فيها مجتمعاتنا العربية، ومخاطر تقسيمها على أساس طائفي ومناطقي. وهو كلام صحيح ولا جدال فيه. لكن يا صديقي دعنا نتعمق قليلاً في المسببات التي أدت الى هذه الوضعية المتردية: ألا ترى أن أسس بناء الدول العربية منذ نشأتها الحديثة فيما بعد مرحلة التحرر الوطني وما بعد مرحلة الاستقلال كانت مشوهة، ولم تستطع غالبيها التخلص من التركة الاستعمارية الثقيلة، على جميع المستويات السياسية والاقتصادية؟ 

القضية في تقديري أن الدولة العربية، وطوال العقود الماضية لم تكن على قدر المسؤولية التاريخية التي تحتاجها هذه الأمة لبناء وحدتها القومية والوطنية، وهي بناء دولة المؤسسات وإعداد الإنسان العربي وتنمية قدراته وتوظيفها فيما يعزز مكانته في العالم. ورغم كل الجهود المقدرة هنا وهناك -في الاتجاه الصحيح- فإن عدم القدرة على بناء دولة المواطنة وترسيخ الديمقراطية وتطوير الحياة السياسية والتنموية هو السبب الرئيس. فبالرغم من كل الشعارات التي سمعناها طوال أكثر من نصف قرن ونحن نحاول ونكرر المحاولة دون توفيق. والأخطر من ذلك أننا لم نتوفق إلى اليوم في القضاء على الطائفية المقيتة، التي تنخر في جسم الأمة التي زادت وتيرتها وتيرة استغلالها وتوظيفها في الصراعات السياسية، بدلاً من ان تتدعم الوحدة الوطنية والوحدة القومية. فما نراه اليوم يا أخي متوقع ان يحدث، بل يبدو أننا لم نتعلم الدروس إلى حد الآن. إن جوهر الموضوع في تقديري ان الأوضاع مشخصة بشكل واضح، هي في حقيقتها أزمة ديمقراطية، أزمة بناء الوحدة الوطنية والوحدة القومية على أسس وثوابت واضحة يجمع عليها أغلب الناس، فتجمع الناس. أما الحلول فموجودة ومعلومة من قبل النخب كافة: النخب السياسية والنخب الفكرية والثقافية والإعلامية. وهنالك العديد من المخارج والحلول إذا ما توافرت الإرادة مثل تلك التي توافرت لشعوب أخرى. وذلك على الرغم من تكالب القوى الخارجية علينا لنشر الفوضى ولتزيد في إرباك أمورنا. ومن هذا المنطلق فإني أتفق معك فيما جاء في مقالك على ضرورة وجود مراجعات جادة للوضع على مستوى النخب السياسية والفكرية في الوطن العربي وتغليب مصالح الشعوب واخذ زمام المبادرة والبحث عن الحلول الوطنية والقومية بدلاً من البقاء في حالة استسلام للوضع المأساوي الذي نعيشه».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها