النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

بدلاً من الحرث في البحر

النزعات الإقصائية في الفكر والسياسة!

رابط مختصر
العدد 10699 الأربعاء 25 يوليو 2018 الموافق 12 ذو القعدة 1439

يرتبط الإبداع بكافة أبعاده بمناخ الحرية والنهوض الحضاري للأمة. والمحرك الأساسي لهذا الابداع الفكري والفني والادبي هو المثقف المبدع. إلا أن الجزء الأكبر من المحسوبين على الثقافة عندنا، ما يزالون بعيدين عن هذا المحور في مختلف المجالات الإبداعية، غارقين في التكرارية والدوران في حلقة مفرغة من الاجترار لما ينتجه الآخرون في أفضل الأحوال. والإنسان المقلد لا ينتج إبداعاً، وإنما يكون في أحسن الأحوال (مطبقاً) أو معيداً لإنتاج ما ينتجه الاخرون تقليداً أو سطواً وتشويهاً.
المشكلة الثانية تتمثل في غلبة الأيديولوجي (السياسي-الديني-الطائفي) على مسار الإنتاج الفكري. فالأيدلوجيي عمدنا يكاد يحدد مسار المعرفي الى درجة أصبح فيها ليس الفكري فقط تابعاً للأيديولوجي، بل حتى العلمي أصبح رهن الايديولوجي في أغلب الأحوال، فاختلط الحابل بالنابل وضاعت الحقائق وغاب التشخيص السليم، وأصبحنا -كما في مجمل جوانب حياتنا- ندور في حلقة مفرغة من التكرار والانكار والاوهام، نعتمدها بديلاً عن الابداع والتجاوز المطلوب لننهض بحياتنا. وهذا وجه من وجوه الازمة التي نعاني منها.
المظهر الثالث من مظاهر هذه الازمة تتمثل في غياب الحوار بمعناه الفكري والذي حل محله السجال الفارغ من أي هدف أو محتوى حقيقي غير اللجاج والتلبيس والتفليس، وحلول الانغلاق على حساب الانفتاح، والتهديد والوعيد والتكفير والتخوين بدلا من اعتماد الحجة والدليل، وينتج عن ذلك في أغلب الأحيان ما يمكن أن نطلق عليه النزعة الإقصائية التي تمارس اليوم تتحول إلى نوع من الإرهاب الفكري، أو العنف السياسي الممنهج، انطلاقا من أسس أيديولوجية تضع أمام الحوار الفكري والسياسي عوائق حتى قبل التئامه، فما بالك بتحقيق نتائج ايجابية من ورائه. وهذا الإقصاء عنوان رغبة فشل مخطط له، ودليل على عجز مزمن على التعايش مع الآخرين بالرغم من الحديث الشعاراتي عن الحرية والديمقراطية والقبول بالتعددية ومتطلبات العيش مشترك. مما يدعونا إلى ضرورة الخروج من الرؤية الدغمائية المغلقة، من خلال الاستعداد للانفتاح على الآخر ورؤاه ومحاولة تفهم ما يطرحه من أفكار وحلول، لأن واقعنا العربي الحالي يشهد حالة من التمترس الطائفي والسياسي الذي يجعل كل طرف لا ينظر الى ما يقوله الاخر، بل ولا حتى يطلع على ما يقوله أو يراه أو يطرحه، ويتجسد ذلك في كل شيء، حتى في نوعية القنوات الفضائية التي يشاهدها كل طرف والصحف التي يقرأها والمقالات والبيانات، وهكذا، حتى إذا سألت الواحد عن موضوع يجيبك فورا: إنه لا يقرأ لهذا الكاتب أو لهذا الاتجاه أو المذهب، أو انه لا يشاهد هذه القناة أو تلك، وهكذا.
إن المشكلة هنا ليست مشكلة المثقف والمبدع فحسب، بل هي أيضاً مشكلة مجتمعية وسياسية في ذات الوقت، فالنظام العربي يعيش حالة فقدان وزن، والإنسان العربي في حالة من عدم القدرة على فهم حركة التاريخ، والرأي العام غير قادر على تحديد أهدافه بسبب انتشار الحيرة والجهل، ولذلك فهو إما غارق في الركض وراء قوته اليومي، وإما غارق في الاستهلاك والتبديد وإما باحث عن مصلحة خاصة، وإما يعيش في عزلة تامة لا أحد يستمع إليه أو يعبأ به.
وفي ظل وضع كهذا، والمتسم بغياب النهضة وتكالب النكيات، فمن الطبيعي أن نكون غير قادرين حتى على استيعاب حقيقة المخاطر التي تهدد مستقبلنا في هذه اللحظة التاريخية المريرة التي تتكالب فيها علينا جميع القوى الدولية والإقليمية من حولنا وتعمل على إخضاعنا والسيطرة على مواردنا المحدودة.
ولذلك فإن المطلوب من المثقف العربي يكاد يكون شبيها بالمعجزة: حيث يطلب منه بالضبط أن يحرث في البحر... ويطلب منه أن يستوعب ما يجري على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وأن يمسك بمفاتيح التقدم وأن يستشرف الأخطار التي تنذر بهبوب العواصف الهوج. وكلمة المستقبل تكاد تكون في إطارها الثقافي والحيوي غائبة في الفعل الثقافي والسياسي والعلمي والفكري.
ومع ذلك، وبالرغم من كل التحديات والمعوقات التي أشرنا إلى بعضها، فإن المثقف العربي الذي يعيش في حالة العجز والانكفاء والتبعية، مطالب بالاهتمام بالدراسات المستقبلية والاستشراف الاستراتيجي ضمن الراهن التاريخي المتيبس، بدل الحرث في البحر: إذ بقدر ما تكون الرهانات كبيرة، بقدر ما ينبغي أن تكون وسائل العمل في حجم الرهان، فبأي معنى تظل الدارسات الإستراتيجية غريبة عن آليات تفكيرنا وحقول اهتمام خبرتنا في لحظة يدخل فيها هذا التخصص جيله الخامس، في سياق مندمج مع الثورة العلمية المعلوماتية الكاسحة في اليابان وأمريكا الشمالية وأوربا الغربية.
إن غياب هذه التقاليد وبقاء ثقافتنا على هامشها مشدودة إلى اهتماماتها الكلاسيكية والاكتفاء بالترديد والترجمة والنقل وإحياء التراث، لن ينقذ هذه الأمة من كبوتها. كما أن إنشاء مراكز للدارسات الاستراتيجية بالرغم من أهميته، ولكنه غير كاف إذا لم يستوعب المجالين الثقافي والفكري، خاصة وان الفضاء الجامعي عندنا لا نعول عليه كثيرا، لأنه ما يزال غير قادر على اقتحام الفضاء المستقبلي بالسرعة والكفاءة المطلوبتين، وما يزال يسبح في ملكوت (النزعة المدرسية) في تقليديتها المنصرفة إلى هموم ذوات فاعليها ورهاناتهم الخاصة في أغلب الأحيان.

همس:
قرأت منذ عدة سنوات عن أسطورة إغريقية جميلة، تقول إن فارسين التقيا عند تمثال فرس في مدخل إحدى المدن، استوقفهما جماله ولونه الأخاذ، فقال الأول: إن التمثال أبيض شديد البياض، فقال الثاني: بل إنه أسود حالك السواد. وتجادلا برهة من الزمن، فاختلفا إلى درجة أنهما تقاتلا بسبب ذلك الاختلاف السخيف، فقتل من كان يقول: إن اللون أبيض الفارس الثاني الذي كان يقول إن اللون أسود.
ولكن القاتل فوجئ عندما نزل من على صهوة الجواد أن للتمثال وجهين، الأول أبيض والثاني أسود، فأدرك بعد فوات الأوان أن للحقيقة أكثر من وجه ولون، وأنه يكفي أن نتبادل المواقع لنعرف الجانب الآخر من تلك الحقيقة، وأنه لا مجال لنتخاصم ونتقاتل بسبب اختلافنا حول الحقيقة ومضمونها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها