النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

شجاعة الثقافة، أو تثقيف الشجاعة

طه حسين المشروع الدائم للمستقبل

رابط مختصر
العدد 10697 الاثنين 23 يوليو 2018 الموافق 10 ذو القعدة 1439

الدارس لتاريخ العرب الثقافي القديم أو الحديث والمعاصر، يلمس من خلال النتاجات الفكرية والإبداعية بكافة اشكالها، أن هذا التاريخ العربي الإسلامي مليء بعناصر القوة والرؤيوية، ما يجعل العديد من المفكرين والكتاب والمبدعين مشاريع صالحة للحاضر وللمستقبل، بالرغم من كونهم ينتمون زمنيا إلى الماضي البعيد أو القريب، مثل ابن رشد وابن الهيثم وابن الجزاز وابن النديم والفارابي والجاحظ والتوحيدي والعقاد وتوفيق الحكيم وجبران نعيمة وأبوالقاسم الشابي وايليا أبوماضي ونزار قباني ومحمود درويش والبياتي والجواهري ومحمد جابر الانصاري ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي، وعلي الوردي وعبدالله الغذامي ومعجب الزهراني وعشرات آخرين في مختلف المجالات العلمية والفنية والفكرية والأدبية.
ومن بين هذه الشخصيات التي لا يمكن نسيانها لعظمة عطائها ووفرة إنتاجها وشجاعتها في مواجهة الفكر التقليدي، وقدرتها على استشراف المستقبل، الدكتور طه حسين، عميد الادب العربي رحمه الله، الذي لا نزال إلى اليوم نحتفي في الوطن العربي بإبداعه وانتاجه الفكري والأدبي، فتقام الندوات والمحاضرات حول هذا الفكر وهذا الأدب، باعتباره رمزا للتنوير والعقلانية وطاقة شجاعة على المواجهة والتجديد في عصره. إذ ان فكره الذي مضى على إنتاجه عشرات السنين لا يزال يلفت انتباه القارئ بجدته وحيويته، بل ولا يزال قادرا على إثارة الأسئلة الجريئة ومازال بذلك مشروعا للمستقبل.
وفي الحقيقة فإن الاهتمام بطه حسين في إطار الثقافة العربية الحديثة يتجاوز حدود الاحتفاء أو الاحتفال بشخصه أو فكره أو حتى حدود النقد والتهجم والرفض والاتهام والمحاكمة، ليتعلق بالسؤال الأهم في حياتنا الفكرية في الراهن الثقافي الغربي، إذ يبدو طه حسين وفكره في اللحظة العربية متقدما بالقياس إلى أغلب المطروح فكرا ورؤية تجاه أنفسنا وحضارتنا وعلاقتنا مع الآخر.
وأيًّا كان هذا موقفنا من طه حسين، فإن نكبتنا أننا مازلنا، بعد مضي أكثر من أربعة عقود من الزمان على رحيله وأكثر من ستين سنة على أطروحاته حول التراث والنقد والتاريخ والعقل وحول مستقبل الثقافة العربية وعلاقتنا بالغرب، نطرح الأسئلة نفسها ونلوكها في حيرة، وكأننا ندور حول نقطة واحدة لا نقوى على الفكاك منها، بل لعلنا في ظل اتساع رقعة البؤس الفكري وتراجع التنوير والاجتهاد، وغلبة النزعة النصية واتساع رقعة الحرفية وتراجع مكانة الفكر ودوره في المنازلات الحضارية، قبلنا أن نتراجع بشكل دراماتيكي عن الدور التنويري للمثقف الجريء، في ظل الترهيب والتخويف والتخوين وفقدان الشجاعة.
ولذلك نجد اليوم، عندما نعود إلى فكر طه حسين في مجمله، وفي اتجاهه العام -ومع اختلافنا مع بعض أطروحاته- أنه فكر مستقبلي مازال يعالج قضايا ذات تأصل في الواقع الراهن، وذات ارتباط بتطلعاتنا المستقبلية وبأزمتنا الحضارية بكافة أبعادها. فعندما تعود إلى فكرته حول حضارة البحر الأبيض المتوسط مثلا، نجد كأنها فكرة الساعة، بل وفكرة للمستقبل، تدور حولها الأطروحات في الغرب أكثر من الشرق، وتعتبر من القضايا الحاضرة الراهنة سواء على صعيد الفكر أو على صعيد السياسة والاقتصاد.
كما أن اطروحات طه حسين الداعية إلى الاندماج في حياة العالم الحديث على أسس تضمن حقوقنا، وتلبي مطالبنا وتتفق مع حركة العصر وتوجهاته، مازالت قائمة في الحاضر العربي، وستظل قائمة في المستقبل حتى يتم تجاوز فكر الانعزالية والتخلف والنزعات الحرفية في ثقافتنا التي ولدت التعصب المنتج للتطرف وضيق الأفق الذي أفضى في بعض الأحيان الى الإرهاب.
فبالرغم مما أثاره كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) أو مقدمته الطويلة تحديدا -وقد كتبه طه حسين في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي- من جدل، فإن أطروحته الأساسية تظل قائمة إلى اليوم وهي مدار النقاش والحديث والتطلعات ومجريات السياسة العربية ومحاولات إصلاح العلاقة مع الغرب الأوروبي تحديدا، والخروج من العيش في فلك الأوهام الفاصلة بين الحضارتين.
فقد انطلق طه حسين من اعتبار أن العقل الإنساني واحد مشترك، وما دام نتاجه ثمرة للتاريخ والبيئة التي نشأ فيها، فإن الحضارة المتوسطية (العربية-الأوروبية) غنية بالخبرات والصراعات والتبادل، ومن هنا نادى طه بضرورة إعادة خط التفاعل بين الحضارتين إلى العمل، بعيدا عن الأوهام الناتجة عن المواجهات العسكرية والسياسية والدينية من أجل بناء حضارة.
ولسنا هنا في سياق الدفاع عن طه حسين، وإنما نود الإشارة فقط إلى أن أي قراءة موضوعية لهذا الجانب من فكره جديرة بأن تكشف أن طه حسين المبشر بثقافة البحر المتوسط، هو في النهاية طه حسين المصري العربي المسلم بكل ما تعنيه تلك الثلاثية من دلالات عميقة تتصل بدوائر الانتماء الأساسية، ولكن تلك الدوائر تندرج في النهاية ضمن الدائرة الإنسانية الكبرى دون تعصب أو عقد.
ولعل أهم إنجاز فكري حققه طه حسين -فضلا عن قدرته على مواجهة الفكر التقليدي وتجاوزه جدليا- أنه قد أسهم في تبديد الأوهام التي كانت تفرض علينا العزلة ومازال البعض يسعى إلى ذلك بلا هوادة إلى اليوم.

همس:
«إن المسلمين كانوا يترجمون الفلسفة اليونانية ويذيعونها وينمونها ويضيفون إليها، ثم ينقلونها إلى أوروبا، فتترجم إلى لغتها اللاتينية وتشيع الحياة في العقل الأوروبي، وتبعث فيه القوة والنشاط، وتمكنه من أن يعود إلى الإشراق والتألق، فما بالنا اليوم نحجم عن ذلك ونخشى من الفلسفة؟!». طه حسين

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها