النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11698 الأحد 18 ابريل 2021 الموافق 6 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:02PM
  • العشاء
    7:32PM

كتاب الايام

حديث اليابان.. تعديل الدستور من عدمه

رابط مختصر
العدد 10696 الأحد 22 يوليو 2018 الموافق 9 ذو القعدة 1439

المعروف أن دستور اليابان الحالي تمت صياغته على يد الأمريكيين بعد أن هزموا القوات اليابانية في عام 1945، فحرصوا على أن يتضمن ما يمنع اليابان مستقبلاً من الدخول في نزاع مسلح. ومن هنا جاءت المادة التاسعة منه صريحة لجهة ضرورة أن تتخلى اليابان إلى الأبد عن الحروب، وأن تمتنع عن بناء جيشها الخاص، وألا تلجأ إلى القوة أداة لتسوية نزاعاتها مع الآخر. وعلى الرغم من هذا، فإن اليابان تحايلت -بموافقة الحليف الأمريكي- على النص الدستوري، فشكلت ما يُعرف بـ«جيش الدفاع الذاتي» للقيام بالدفاع عن الأمة ضد أي هجوم خارجي، وللقيام أيضا بمهام أخرى مثل البحث والإنقاذ في حالات الكوارث الطبيعية. وقتها نظر الكثيرون إلى تخريجات ما بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية على أنها صبت في مصلحة اليابانيين، ومنحتهم فرصة نادرة للتفوق؛ لأنها جعلتهم يوجهون كل طاقاتهم ومواردهم نحو التعليم والابتكار والبناء والتصنيع والسلام بدلاً من توجيهها نحو الحروب والتدمير. وكان من نتائج تفوقهم الصناعي والتكنولوجي معطوفًا على القيم اليابانية في الولاء والطاعة والانضباط أن أضحى «جيش الدفاع الذاتي» الياباني واحدًا من أفضل جيوش العالم تجهيزًا وتطورًا ومناقبية وانضباطًا.
الأمر الآخر المعروف عند البعض هو أن الدستور الياباني من الدساتير التي مر عليها اليوم أكثر من سبعين عامًا دون أي تعديل يتماشى مع ما حدث من تطورات سياسية وتغيرات اقتصادية وتبدلات اجتماعية وتحديات جيواستراتيجية منذ عام 1945، كما أنه ثاني أقصر دستور في العالم بعد دستور آيسلندا. فعدد كلماته لا يتجاوز 5 آلاف كلمة في مقابل 21 ألف كلمة معدلاً لبقية دساتير العالم؛ وذلك بسبب أن الدستور الياباني تطرق إلى عناوين عامة وترك التفاصيل للمشرعين.

 


على أن الحديث الدائر في اليابان، منذ فوز الحزب الديمقراطي الحر بزعامة رئيس الوزراء الحالي «شينزو أبي» بأغلبية ثلثي مقاعد مجلس النواب في انتخابات مبكرة في سبتمبر 2017، هو عن تعديل الدستور، خصوصا أن «أبي» من كبار دعاة تحويل «قوات الدفاع الذاتي» إلى جيش نظامي كبقية جيوش العالم، قادر على المشاركة في القتال مع الحلفاء خارج حدود البلاد «في ظروف محددة». وإذا كانت فكرة «أبي» هذه تحظى بتأييد غلاة القوميين اليابانيين (معظمهم من الشباب) ممن ظلوا يؤمنون بأن بلادهم تعرضت للمهانة يوم أن فرض الأمريكيون عليهم دستورًا تمت صياغته في واشنطون، فإن الغالبية العظمى من السكان تفضل الوضع الحالي ولا ترى في بناء جيش ياباني أمرًا ملحًا، ناهيك عن أنه سيتسبب في إثارة قلق دول الجوار، لا سيما الصين والكوريتين التي عانت كثيرًا في الماضي من النزعة العدوانية التوسعية للعسكر الياباني. وبكلام آخر، فإن المواجهة بين فريقين، أحدهما يعد الدستور الحالي مذلة وبالتالي يجب تعديله، والآخر يرى فيه سببا لما تعيشه البلاد من ديمقراطية وسلام وتقدم. وربما لهذا السبب حرص «أبي» في تصريحاته على التأكيد أنه إذا ما قبل الشعب تعديل الدستور فإنه سوف يُبقي على المواد الدستورية التي تمنع البلاد من شن حروب هجومية.
والحقيقة أن «أبي» ظل طويلاً يردد أن تغيير الدستور الياباني ليس بالأمر السهل، وكان محقًا في ذلك؛ لأن الأمر يتطلب أولاً قيام مائة عضو في مجلس النواب أو خمسين عضوًا في مجلس الشيوخ بتقديم اقتراح حول الموضوع، ويتطلب ثانيًا موافقة غالبية ثلثي الأعضاء في كل من المجلسين، ويتطلب أخيرًا طرح الموضوع في استفتاء شعبي، فإذا فاز بأغلبية بسيطة صار قانونًا نافذًا. لكن الأمر صار اليوم بالنسبة إلى الزعيم الياباني أسهل من أي وقت مضى، بعدما صار الحزب الحاكم يحظى، للمرة الأولى، بغالبية الثلثين في مجلسي البرلمان، وبالتالي لم تعد هناك صعوبة لتنفيذ ما وصفه بـ«واجبي الوطني زعيمًا للحزب الديمقراطي الحر» في مؤتمر صحفي له في يوليو 2016.
وعلى الرغم من زوال كل العقبات أمام تعديل الدستور، فإن «أبي» يواصل الظهور بمظهر رجل الدولة الذي يفضّل التريث وعدم الاندفاع من أجل خلق أكبر قدر من الإجماع الشعبي حول خطوته الدستورية الخاصة بتأسيس قوات يابانية مسلحة لأول مرة منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، وهي خطوة رمزية -بطبيعة الحال- في ظل وجود جيش الدفاع المتطور، لكنها تبقى تاريخية.
التطور المستجد على صعيد هذه القضية الحساسة هو تعزز موقف المناوئين للتعديل الدستوري على خلفية الصفقة التي تمت مؤخرًا بين واشنطن وبيونغيانغ في «قمة سانتوزا» في سنغافورة. إذ صار هؤلاء يتحدثون عن عدم جدوى إجهاد الميزانية العامة في الإنفاق على التسلح، وضرورة التركيز بدلاً من ذلك على الشأن الاقتصادي، طالما أن شبح الخوف من اعتداءات أو مغامرات كورية شمالية ضد البلاد قد تراجع أو في طريقه إلى الزوال، وهو ما ينفيه المؤيدون لطروحات «أبي» وحزبه الديمقراطي الحر، قائلين إن نظام «آل كيم» الستاليني في بيونغيانغ لا يزال يمثل تهديدا في ظل عدم إنهاء حالة الحرب رسميا وعدم التوقيع على اتفاقية سلام شاملة في المنطقة. كما أن هؤلاء يستندون في موقفهم إلى مبرر آخر، هو الخوف من تراجع الأمريكيين عن التزاماتهم حيال ضمان أمن وسلامة اليابان، وعدم التيقن من إبقاء واشنطن لقواتها المرابطة في اليابان، البالغ تعدادها نحو 50 ألف عنصر، إلى الأبد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها