النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

شغـــف الكتــــابة

رابط مختصر
العدد 10695 السبت 21 يوليو 2018 الموافق 8 ذو القعدة 1439

هل يمكن أن تصبح الكتابة إدماناً لا فكاك منه، وأن تتحول الى هوس دائم، فيصاحبها الكاتب كل الوقت، وفِي كل مكان، وأن يطاردها ويبحث عنها في حياته اليومية وأن تتحول كل المخلوقات المتحركة أمامه ومن حوله مادة للكتابة؟ وأن تصبح الحياة بالنسبة له هي كتابة، وأن يتتبع وجوه البشر وانفعالاتهم ويفكر كيف يكتب عنها؟  وأن تتحول كل هواجس البشر وأحاسيسهم وآلامهم، وأفراحهم الى كتابة تتحرك في عقله؟ نعم هذا ما يحدث عند الكاتب، فهو يتقمص الآخرين، ويتابع حكاياتهم العجيبة المثيرة والغريبة والرائعة والنبيلة والعظيمة، البشر الذين يواجهون ببطولة مدهشة عواصف الحياة، ويتغلبون على أهوالها.
الكاتب يلتقط كل ذلك، وحين يرى مشهداً أو حادثة لا ينساها، بل تصاحبه كل الوقت، خلال الليل والنهار، وهو يسير أو يجلس أو يسوق سيارته أو يأكل وقبل أن ينام، ويعتبر أن الأمر يخصه هو ومتعلق بشخصه ومصيره وحياته، خاصة إن كان المشهد مأساوياً أو إنسانياً، ويستعيد بعد ذلك كل الوقت ما رآه وما سمع عنه واستقر في أعماقه على مدار أيام أو سنوات حتى يأخذ هذا الحدث أو المشهد صيغته على الورق، عندها يستريح الكاتب ويتنفس الصعداء ويحس بالنشوة والانتصار والفوز.
قد يتهيأ لنا أن هذا الشغف بالكتابة غير طبيعي، فالكتابة ليست من متع الدنيا المعروفة التي يقبل عليها ملايين من الناس بشراهة واندفاع، حتى أنها قد تهدد حياتهم لكنهم لا يتراجعون عنها، نعم هذه هي الكتابة ولع لا نجاة منه ومتعة لا يعرفها إلا أهل الكتابة، ولكن الكتابة هي أيضا بلاء من ناحية أخرى لأنها تشغل الكاتب عن مسرات الدنيا الكثيرة، وتأخذ منه وقته وصحته وجهده الذي من الممكن استخدامه في تحسين حصيلته المادية وجني المنافع الأخرى المتصلة بها.
وتقول العرب فلان (أدركته مهنة الأدب)، أي أنه ابتلى بالكتابة، وصار ضحية لها، وأصبح من عشاقها وشهدائها.
وكانت العرب تقول ذلك لفرط ما رأوا من انشغال أصحابها بها عن كل شؤون الدنيا الأخرى، وحتى أن بعضهم يفضلونها على متع الحياة الرئيسية. كان الكاتب التشيكي العالمي الذي يكتب باللغة الألمانية فرانز كافكا يقول إن الكتابة تشغله عن الطعام والجنس.
وكافكا أخلص للكتابة كل حياته، وابتعد عن كل ما يعيق أو يعرقل علاقته بها، ومن أجلها تجنب الزواج وتأسيس الأسرة، وكان يعتقد أن الأسرة بما فيها من مسؤوليات ستعيقه عن التفرغ للكتابة.
 أخلصت الكتابة لكافكا، لأنه أخلص لها، فمنحته عطاياها الكثيرة وأهمها المكانة الرفيعة والشهرة والمجد والخلود.
وإدمان الكتابة يأتي على قدر الموهبة، فكلما كانت الموهبة أكبر كان اندماج الكاتب بها أكبر، فالنجاحات التي يحققها الكاتب تشعره بالتميز وتزيد شغفه بها.
كان الكاتب الإيطالي العالمي ألبرتو مورافيا يقول عندما بلغ سن الشيخوخة والعجز وشعر أن نهايته قريبة، أنه لا يخشى الموت بقدر ما يخشى توقفه عن الكتابة. يتشبث الكاتب بالكتابة كما يتشبث الإنسان بالحياة، وكلما طالت صحبته بها وعاشرها أكثر تولع بها أكثر.
لا حد لشغف الكاتب بالكتابة، ولا خلاص للكاتب منها إلا بالرجوع إليها، والتعبد في محرابها، وانتظار زيارتها كل الوقت، وإذا تأخرت لا يزيده صدها إلا رغبة في وصالها، هي محبوبته الأثيرة، وأمنيته الأولى والأخيرة، هي منى روحه، ورحيق حياته وبيته الأليف الدافئ. لكن ما الذي يجعل الكتابة بهذا الإغراء والإغواء والسيطرة والجاذبية؟ لا أحد يستطيع أن يُحدد سر هذه الرغبة الجامحة المتجددة، والمتجذره في النفس. ربما هي الرغبة في المشاركة فالكتابة تحقق للكاتب إنسانيته إلى أبعد حدود من خلال شعوره أنه يشارك الناس في آلامهم وقضاياهم العادلة، إنها الطبيعة الإنسانية المجبولة على حب الآخرين ومقاومة الشر، واحقاق الحق، لذا يشعر الكاتب براحة ضمير عالية.
عندما يتوقف الكاتب عن الكتابة، تدبر الدنيا في عينيه، يشعر أن الحياة تتسرب من بين يديه، كما يحس باليتم والفقد واليأس والإحباط، ويفقد توازنه فهو يرى الحياة تنسحب منه. إنه الفقد الأليم، والحدث الجلل العظيم، هو دبيب النهاية، حيث يشعر الكاتب أنه أصبح خارج هذا العالم الصاخب الجميل والرائع  بضجيجه الهائل، يشعر أنه شخص بائس  ونكرة، وسقط متاع، وزائد عن الحاجة ولا أهمية له على الإطلاق ويشعر أنه في حالة نفسية سيئة، ويقل منسوب الراحة والفرح والاستمتاع بالحياة لديه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها