النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

قرن القوة الدائمة...

حول تحولات السياسة الأمريكية في العالم

رابط مختصر
العدد 10692 الأربعاء 18 يوليو 2018 الموافق 5 ذو القعدة 1439

أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دولاند ترامب القلق بين الدول الأوروبية، بطابعها المباشر البعيد عن التقاليد السائدة في العرف الدبلوماسي مثل قوله في اجتماع الناتو الأخير في العاصمة البلجيكية بروكسل: (إن دول الاتحاد الأوروبي تستغل الولايات المتحدة الامريكية)، حيث طالب ترامب دول الناتو بتعزيز الإنفاق العسكري، وضغط من أجل أن تخصص دول الاتحاد الاوروبي 33 مليار دولار إضافية لهذا الانفاق، متهمًا إياها بعدم القيام بما يكفي للدفاع عن نفسها والتعويل على جهود الولايات المتحدة الامريكية.
ولعل حرب الشعارات التي اشتعلت بين الطرفين الأمريكي والأوروبي تلخص الطابع الذي تتسم به المرحلة الجديدة من العلاقات بين الطرفين، كاشفة عن تحولات تؤذن بتغير طابعها التقليدي السابق الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ففي الوقت الذي يرفع فيه الرئيس ترامب شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا»، يرفع مناهضو الحرب والانفاق على التسلح في أوروبا من قوى المجتمع المدني شعار «لنجعل السلام عظيمًا مجددًا». في إشارة إلى المفارقة المتسعة بين منظرين للعالم.
والحقيقة أن هذا المثال وغيره من الأمثلة كثير يحيل إلى حقيقة بدأت تترسخ في علاقات الولايات المتحدة الامريكية مع العالم قاطبة، وهي أن هذه السياسة الجدية تنتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها اقتصادي ومالي بالدرجة الأولى، بل والأخطر من ذلك هو العودة الى نزعة العزلة القومية، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من تبعات اقتصادية وسياسية وعسكرية. ويمكن تلخيص هذه التوجهات من خلال الشعارات الرئيسة لحملة ترامب الانتخابية: «أمريكا أولاً» هدفا رئيسا للسياسة الخارجية، بما يعني الالتزام بالمصالح الأمريكية والتوقف عن تحمل أي عبء لحماية أي دولة أخرى إلا بمقابل، والمبدأ الثاني هو العزلة من خلال الحد من تدخل الولايات المتحدة الامريكية في تسيير شؤون العالم، طالما أن هذا التدخل يكلف الخزانة الامريكية أموالاً على حساب دافع الضرائب الأمريكي. ويرتبط بهذا الشعار التراجع عن شعارات العولمة التي كثيرًا ما جرى التبشير بها في المراحل السابقة، لأنها تفرض على الولايات المتحدة الأمريكية -كما على غيرها- التزامات وشروطًا وأعباءً وقيودًا يفرضها نظام التجارة الحرة واتفاقيات الجات، وغيرها من الاتفاقيات الدولية المهمة التي سبق للولايات المتحدة الامريكية التوقيع عليها، وجاء ترامب ليتراجع عنها، ومنها على وجه الخصوص اتفاقية باريس للمناخ وغيرها.
أما المبدأ الثالث فيتعلق بمعاداة الهجرة إلى الولايات المتحدة والحد منها بكل السبل، بعد أن كانت أمريكا هي البلد الأكثر استقطابًا للمهاجرين من مختلف بقاع الأرض، لأنها بلد الحلم والفرص، وقد بلغ الامر حده بالإعلان عن التفكير في بناء جدار فاصل بين الحدود الامريكية والحدود المكسيكية على سبيل المثال.
والحقيقة أن رؤية ترامب لا تنفصل عن فكر ومنظور اليمين الأمريكي المحافظ الذي نجح في نشر وفرض هيمنته الأيديولوجية في المجتمع الأمريكي منذ تسعينات القرن الماضي، وبلغ الأمر أوجه بعد انتخاب الرئيس بوش الابن جورج دبليو بوش في العام 2000، وعزز موقعه بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 حيث امتلك الرئيس بفضل ذلك سلطة غير محدودة وفرض سياسة أحادية الجانب، انتهت بالاحتلال الامريكي للعراق في العام 2003م وبدء مرحلة جديدة من السياسة الأمريكية في اتجاه ما سمي في حينه الحرب الوقائية الدائمة، من دون أي اعتبار للقانون الدولي ولا حتى لمتطلبات والتزامات الديمقراطية الأمريكية نفسها.
لقد رجحت كفة «اليمين الجديد» في التوازنات المؤسساتية. وتم تجاوز الحديث الذي كان يقال عن التعاون الدولي المتعدد الأطراف لاحتواء التهديدات الأمنية العالمية من أجل تخفيف حدة التوتر وايجاد حلول للنزاعات في المناطق المتفجرة، وخصوصا في الشرق الاوسط. والعمل على تحقيق التنمية الاقليمية بما من شأنه تشجيع القوى الديموقراطية المحلية ودفع الاقتصاد العالمي والأمريكي إلى الأمام في صورة أفضل مما ينتج عن الحروب المدمرة.
وكان من النتائج الكارثية لهذا التوجه -فضلاً عن احتلال العراق وتدمير بنيان دولته السياسي والاجتماعي والأمني والعسكري والاقتصادي- ترك الصراع العربي الإسرائيلي يتدهور ويدخل في نفق فقدان الأمل، وتفجر الانتفاضات والصراعات اللاحقة، بعد أن كانت اتفاقيات أوسلو في التسعينات من القرن الماضي قد فتحت أبواب الأمل أمام إنشاء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
وباختصار، فإن هذا المرحلة الجديدة التي يقودها الرئيس ترامب هي في الحقيقة استمرار للخط الأيديولوجي والفكري لليمين الأمريكي، من مواجهة ما كان يسميه الرئيس بوش بمحور «الشر»، مشروعا سياسيا واستراتيجيا بعد انتهاء الحرب الباردة، ومنها في مرحلة ترامب إلى مواجهة القوى الاقتصادية الكبرى الناهضة مثل الصين وألمانيا اللتين تحققان فائضًا كبيرًا في ميزانها التجاري على حساب الولايات المتحدة الأمريكية، ومنها إلى الإصرار على تقاسم أعباء الأمن الجماعي في الناتو من خلال تخفيض حصة أمريكا في الموازنة العامة للحلف وخفض حجم القوات الأمريكية واجبار الدول الأوروبية على زيادة الانفاق على التسلح، وإذا كانت عقيدة الحرب الوقائية التي أعلن عن تبنيها رسميًا في سبتمبر 2002 لتشكل قطيعة مع عقيدة الاحتواء والردع التي كانت الادارة الامريكية ثابتة في انتهاجها بعيد انتهاء الحرب الباردة. فإن عقيدة (أمريكا أولاً) المدعومة بالعزلة وجعل العالم (يدفع) ضمن السياسات الجديدة التي ينفذها الرئيس ترامب، تعود اليوم لتؤكد مثابرة اليمين المحافظ في الولايات المتحدة لبسط إرادته على العالم من خلال السياسة، كما بسطها في السابق عن طريق الحرب.
همس
يؤكد الاستراتيجي الأمريكي توماس بارنيت أنه «لكي نحافظ على الهيمنة على العالم، يتعين شطره إلى قسمين؛ دول مستقرة (أعضاء مجموعة دول الثماني وحلفائها) من جهة، وبقية العالم الذي يعتبر مجرد خزان للموارد الطبيعية، من جهة ثانية».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها