النسخة الورقية
العدد 11035 الأربعاء 26 يونيو 2019 الموافق 23 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

حمى الألعاب الرياضية

رابط مختصر
العدد 10689 الأحد 15 يوليو 2018 الموافق 2 ذو القعدة 1439

يتسمر اليوم مئات الملايين من البشر، على مقاعدهم في الملعب الذي ستقام عليه المباراة النهائية لمسابقة بطولة كأس العالم في كرة القدم، بين فريقي فرنسا وكرواتيا، وامام شاشات التلفاز في منازلهم، وفي مواجهة شاشات العرض الكبيرة التي ستبث وقائع تلك المباراة.
وستصل المراهنات التي ستبلغ هي الأخرى مئات الملايين على الفريق الذي سينال تلك البطولة التي تقام مبارياتها مرة كل أربع سنوات.
وعلى امتداد عمرها الذي يعود إلى مطلع الثلاثينات، والذي اضطرت فيه المباريات للتوقف خلال فترة الحرب العالمية الثانية، تمكنت البطولات التي باتت تسيطر عليها اليوم منظمة «الفيفا»، ونجحت بقيادة «الفيفا» في تكريس مجموعة من القيم والظواهر، البعض منها قديم، والآخر حديث النشأة، يمكن رصد الأهم بينها في النقاط التالية:
1. الاحتكار، حيث باتت «الفيفا» هي المنظمة الوحيدة التي تحتكر تنظيم هذه المسابقات الدولية، وتحدد أقيام كل مسابقة منها.
على سبيل المثال، ووفقا لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية «أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) رفع قيمة المكافآت المخصصة لجميع المنتخبات الوطنية المقرر مشاركتها في مسابقة كأس العالم، المزمع إقامتها العام المقبل في روسيا (مضيفًا) بأن الـ 32 منتخبا المشاركين في كأس العالم روسيا 2018 سيحصلون على مبلغ 400 مليون دولار، وذلك بزيادة 12% عن مكافأة المشاركة في كأس العالم السابقة 2014، والتي كانت 358 مليون دولار». ولا يقتصر الأمر على تحديد أقيام تلك المسابقات، بل يتجاوز ذلك إلى وضع القوانين التي تسير مبارياتها.
على سبيل المثال استحدث «الفيفا»، مؤخرا ما يعرف بتقنية  -VAR video assistant referee  - والمقصود بها استخدام لقطات الفيديو لمساعدة الحكم على اتخاذ قرار ما أو تصحيحه.
والمقصود بالاحتكار هو حرمان أي اتحاد، بخلاف «الفيفا» من ممارسة أي نشاط يمس جوهر رياضة كرة القدم بعيدا عن أصابع «الفيفا»، وتدخلاته المباشرة.
2.الفساد، فهناك قضية الفساد التي مست «الفيفا» في العام 2015، و«كانت أولى شرارة الحرائق قص الـ FBI شريط تحقيقات في فساد عمره ثلاثة عقود، وتهم غسيل أموال واختلاس واحتيال إلكتروني لعشرات المتورطين، جميعهم مسؤولون أو على علاقة باتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف) واتحاد أمريكا الجنوبية (كون يبول)، (وكما نشر حينها) تحول الأمين العام السابق للكونكاكاف شارلز بلايزر إلى مخبر كشف النقاب عن فساد وصل إلى مكاتب رؤساء دول ورشاوى تتعلق باستضافة المونديال، وأرصدة خارجية وشركات تعمل كواجهة». وهناك العديد من القضايا الي وجهت أصابع الاتهام فيها مسؤولين كانوا وراء قرارات اتخذها «الفيفا»، بشأن دولة استضافة المونديال.
3. «التجرنة»، و«البضعنة» (Commercialization)، سواء على مستوى اللاعبين، الذين باتوا يباعون ويشترون كي ينضموا لهذا الفريق الوطني أو ذاك، أو على مستوى المبالغ الخيالية التي باتت تدفع للاعبين المميزين، كي ينضموا لهذا الفريق أو ذاك، وصولا إلى المبالغ الخيالية التي تدفع لقاء حيازة حق الإعلان.
وأسوأ ما في الأمر.
وأكثر ما تتجلى فيه تلك الظاهرة هي السوق الإعلانية التي ترافقها، والتي وصلت قيمتها إلى مليارات الدولارات، تدفع لـ«الفيفا» مقابل حق هذه الشركة أو تلك في نيل حق رعاية المباريات النهائية.
ولم تعد المساحات الإعلانية محصورة في اللوحات التي تعرض في ساحات الملاعب التي تقام فوقها المباريات، بل اتسع نطاقها كي تشمل البضائع التي تباع على هامش إقامة تلك المباريات، وتنتشر في الأسواق والمتاجر العالمية.
4. التحول من مجرد ممارسة الرياضة إلى صناعة العبودية، فلم تعد مباريات مكانا لاستعراض المهارات الفردية، واللياقات البدنية، كما كانت في السابق، بل تحولت إلى سوق عالمية، يعرض اللاعبون أنفسهم، وإن كان ذلك يتم عبر آليات عصرية، لكنها في جوهرها تعكس، بشكل أو بآخر، آليات أسواق النخاسة في روما وأثينا القديمة.
لقد فقد اللاعبون المهرة، بفضل ذلك، هامشا واسعا من حرياتهم التي تتناسب ومستوى أدائهم، وتحولوا، إلى درجة كبيرة، إلى عبيد تتحكم في مستقبلهم الرياضي، بما في ذلك أثمانهم المقدرة، إدارات الأندية التي يلعبون لصالحها.
5. العولمة، وهنا ينبغي التمييز بين العالمية بمفهومها الإنساني الحسن، وبين العولمة بمقاييسها الجشعة البشعة.
وهذه الأخيرة هي التي باتت تسير آليات المباريات التي ينظمها «الفيفا»، حيث تلاشت قيم الولاءات الرياضية الوطنية المتعارف عليها، لصالح السيطرة الدولية التي باتت تسيطر على أنشطة مباريات كرة القدم، بما فيها تلك التي تقام على نطاق الدولة الواحدة.
وبتنا نرى مشجعي الرياضة في بلدان العالم الفقيرة يتابعون بشغف، وعلى اطلاع بتفاصيل «دوري» فرق بعيدة، في حين يجهلون أبسط المعلومات التي تتعلق بفرقهم الوطنية.
وليس ما نشاهده في متابعة الشباب العربي للدوري البريطاني، او الإسباني، سوى شواهد بسيطة مباشرة تخفي وراءها ظواهر أخرى أكثر تعقيداً وأشد شلبية.
لم يكن القصد من وراء هذه السردة القصيرة النيل من الظواهر التي باتت ترافق مباريات المونديال، بقدر ما كان الهدف من ورائها الإشارة إلى بعض السلبيات التي أصبحت لصيقة بهذه الظاهرة، ومن ثم فليس المطلوب هنا أخذ موقف سلبي منها، أو الدعوة لمقاطعتها، بقدر ما هي محاول لتسليط الأضواء على تلك الجوانب السلبية كي يصل المشاهد العربي، ومعه الآخرون من بلدان أخرى أيضا، إلى حالة التوازن المطلوبة التي تنجح في تشذيب ظاهرة الحمى الكروية التي باتت تجتاح العالم.
وكما نجح التقدم العلمي في معالجة والقضاء على الكثير من أنواع وأعراض الحميات الأخرى، بتنا مطالبين بأن نعمل سوية من أجل القضاء على سلبيات حمى الرياضة، وتحويلها إلى ظواهر إيجابية تقرب بين الشعوب، وتنجح في إشاعة المرح في صفوف من يتابعون أنشطتها.
فمن بين الظواهر الإيجابية التي رافقت المباريات النهائية في روسيا، والتي يجب النظر لها من زاوية إيجابية، وصول فريق دولة صغيرة مثل كرواتيا إلى المباراة النهائية كي يواجه فريق دولة عظمى من مستوى فرنسا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها