النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

«ضحكت من جهلها الأمم»

الدوران في حلقة الوهم المفرغة

رابط مختصر
العدد 10685 الأربعاء 11 يوليو 2018 الموافق 27 شوال 1439

قال:
إنّ المكسب المتحقّق اليوم لا يتمثّل في حريّة الكتابة فحسب، وإنّما في حريّة القراءة، فقد عشنا -في جيلنا- خلال عقود ماضية في زمن لم تكن فيه حريّة القراءة أمراً سهلاً من دون قيود وشروط ورقابة، في حين كان الكتّاب يكتبون والرقيب يصادر، فلا يتاح لنا في بعض الأحيان قراءة ما هو مصادر أو ممنوع.
قلت:
 فعلاً ما أروع أن نتحدّث اليوم عن «حريّة القراءة، بعد أن أصبحت حرية الكتابة متاحة بشكل كامل من دون قيود تقريباً، عبر الكتاب المطبوع أو من خلال الفضاء الإلكتروني المفتوح، ولكن ماذا نفعل حين نعيش هذه الحريّة، فنكتب ونقرأ في حين أنّنا محاطون في الدّائرة المعرفيّة الكبرى بسياط التّجريم والتّحريم التي تطال المثقف المبدع، من قبل القوى المحافظة التي تجرم السؤال وتضع خطوطاً حمراء كخط نار في مواجهة أي جرأة في تجاوز المألف من الأشياء والقناعات والأفكار والرؤى؟ إن حراس الأفكار والمشاعر والإبداع أقسى من حراس السجون..، وفي ظل هذه الحراسة المشددة على الفكر والإبداع، تتسع دائرة الاختناق التي خنقت عالمنا العربي- الإسلامي، منذ عصور الانحطاط وإلى اليوم».

ما قاله هذا الغلام..
أرسل لي أحد الأصدقاء لقطة فيديو لشاب (عربي للأسف) متعصب يسب صحابة رسول الله رضوان الله عليهم، مؤكداً «بأن حل جميع المشاكل التي تعاني منها الأمة رهن بشتمهم والتخلص من إرثهم». ( !!!).
هكذا تحدث الغلام الأرعن في حوار متلفز بكل جدية. وليس المهم هنا التوقف عند هذا الكلام السخيف الذي لا يقبله عقل ولا دين ولا أخلاق. ولكن من المهم التوقف عند هذا النوع من التفكير المختل الذي يقف وراء هذا القول الذي يتم تسويقه بين أوساط شبابنا، لنسج تاريخ الأوهام، وبناء فكر الأوهام، بعيداً عن الوعي بحركة التاريخ وبآليات عمل الواقع. ولذلك لا غرابة أن نظل ندور في حلقة مفرغة من الوهم، بسبب هذا الوعي المزيف الذي تسعى الماكنة الأيديولوجية الطائفية لترسيخه وتعزيزه، حتى لا يستطيع هؤلاء الشباب التحرر من الأوهام والنظر إلى التاريخ وإلى الواقع نظرة موضوعية، في سبيل مقاربته بما ينفع ويوحد ويعزز الحرية والتسامح والقبول بالتنوع.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الأجواء الاستفزازية المليئة بالمشاحنات السياسية والطائفية في الساحة العربية والإسلامية تزيد الطين بلة والنار اشتعالاً. فينشأ جمهور المشجعين والمريدين على منطق الكراهية والحقد، فيستبيحون كل شيء في الطريق إلى تحقيق الأهداف الوهمية، من دون التوقف للحظة واحدة للبحث عن المخرج من المأزق الحضاري الذي نعيشه، ومن دون الانتباه إلى أن هنالك دوماً حلولاً بعيداً عن شعار «نحن أو هم». هذه الشعارات الاقصائية الاجتثاثية التي نشأت ونمت في ظل غياب الحريات والكبت والتعصب ورفض التعدد الفكري هي اليوم ما يحرك الآلاف المؤلفة من الشباب العربي المسلم، من دواعش وأشباههم من مختلف الفئات والمذاهب. وفي ظل هذه الحرب اليومية (حرب الشعارات) ينشط عدد من محترفي الكراهية والحقد والبذاءة لإشعال النيران، ويراهن كل طرف على إلحاق (الهزيمة) بالطرف الثاني، من دون تفكير في أي مخرج جامع يقي الناس شرور الحروب والمواجهات والاحقاد. في حين ان الحل الوحيد -في ظل الوضع القائم- هو القتال في صفوف العقلانيين المستنيرين من كافة الأطراف، من الذين يريدون التقدم بنا إلى الأمام وتعزيز قيم الحكم الوحدة والتضامن والتسامح لمواجهة التحديات المحدقة بنا للحفاظ على السلم الأهلي.
إن شعار (نحن أو هم) يتبناه المفتونون بصياغة المزيد من الألفاظ البذيئة والكلمات الخارجة عن المنطق والقيم، بعيداً عن أدبيات الخلاف وعن حدودها الأخلاقية والدينية والسياسية والاجتماعية. وزاد من الأمر سوءًا اتساع نطاق منطق الحرب الشاملة بين الفرقاء السياسيين والطائفيين في مواقع وفضائيات بذيئة واستفزازية، آخر همها الحقيقة والقيم والمصالح الوطنية والقومية، وأول همها الكذب ثم الكذب ثم الكذب، لتدمير الأعداء الوهميين وتشويه صورهم. وتبرير ذلك بالعودة الى تاريخ الأوهام الذي تم بناؤه بالكراهية والتعصب، فينشط المتصارعون في اشتقاق صيغ وتعابير يعافها الذوق وتتنزه عنها الأخلاق والقيم. يحدث ذلك في الوقت الذي يبقى الأعداء الحقيقيون يمرحون بيننا، مثل الفقر والجوع والمرض والبطالة والتخلف والأمية وغيرها كثير.. ولأن هذا الجمهور قد استساغ مثل هذا اللون من اللغة البذيئة، فقد بدأ ينفر تماماً من كل خطاب رشيد عاقل هادئ، يدعو إلى المحبة والتسامح والوحدة والعلم والعقلانية، ويشجع على الحوار ورفض منطق التخوين والتنكيل والاجتثاث.
ومن المؤسف أن الخطاب العقلاني المبني على الوعي بحقائق الأمور وعلى المصلحة العامة، يواجه يومياً من قبل قوى التخلف بالتجاهل والاستخفاف وحتى بالاتهام والرفض والادانة والتكفير. لأنه خطاب يرفض الإسفاف والنزول إلى مهاوي الشر والقطيعة، ويرفض مداعبة الشر الكامن في النفوس التي اعتادت خطاباً متشنجاً، لا يضيف رؤية تنفع الناس، وتذهب بهم نحو المستقبل مسلحين بالثقة والأمل.
هكذا يبدو الوضع للأسف، وهو يعكس فشل القوى السياسية في تقديم رؤية سياسية واضحة، بحكم عجزها عن صياغة برامج سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية وواقعية كفيلة بمعالجة المشاكل التي يعاني منها المواطن، حيث لا يكفي الحديث عن شعارات سياسية تتعلق بالسلطة، وتركيزها في خطابها السياسي على البعد الديني والطائفي، بالاستمرار في دغدغة المشاعر الدينية، ومن دون الاهتمام بتنمية الوعي والبحث عن حلول تخلص الجميع من الورطة.. والى حين الوصول إلى هذه القناعة التي لا خلاص للجميع بدونها، يواصل العابثون بلغة التحريض المتبادل لعبتهم المفضلة في إثارة العواطف والغرائز واستحضار الماضي وحروبه ورموزه باستنفار المشاعر الأكثر وحشية واستجلابها من أعماق تاريخ الأوهام.

همس
الناقص لا يكتمل.
الصورة والصوت والصدى المهاجر.
أبحث عن لحظة هاربة،
بين ثنيا الليل والفجر.
لأستوطن جزيرة الضباب
نائياً عن الخلق.
القلب تخلى عني
ولم يعد في العمر رمق ولا ورد.
فأصرخ:
لعل في الحقل بقايا ماء وتراب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها